بلادي نت_توفيق الحاج
تتهيأ بعثة الأمم المتحدة لإنهاء تواجدها في محافظة الحديدة بعد ست سنوات من الاخفاق والفشل، وذلك على أثر قرار أممي قضى بأنهاء تواجدها، وهو قرار يعكس تحوّلًا لافتًا في مقاربة مجلس الأمن الدولي للملف اليمني، وقد اعتمد المجلس القرار رقم (2813) القاضي بالتمديد الأخير لولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) حتى 31 مارس/آذار، تمهيدًا لإنهاء دورها وتصفيتها بشكل كامل، القرار حظي بتأييد 13 دولة، مقابل امتناع روسيا والصين عن التصويت، في مشهد يعكس تباينًا واضحًا في تقييم تجربة البعثة، وحصيلة أدائها، ومدى نجاحها أو فشلها في تنفيذ المهام التي أنشئت من أجلها.
هذا القرار لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا روتينيًا، وإنما اعترافًا دوليًا متأخرًا بفشل واحدة من أبرز البعثات السياسية الخاصة التي أُنشئت في سياق الحرب اليمنية، وبأن استمرارها لم يعد مبررًا في ظل غياب النتائج، وتحوّل وجودها – وفق انتقادات واسعة – إلى عامل تجميد للحرب بدلًا من أن يكون أداة لمعالجته.
من ستوكهولم إلى الحديدة
تعود بدايات بعثة “أونمها” إلى ديسمبر/كانون الأول 2018، حين رعت الأمم المتحدة اتفاق ستوكهولم بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي الارهابية في لحظة كانت فيها محافظة الحديدة على شفا مواجهة عسكرية كبرى، المدينة الساحلية، التي تضم الموانئ الرئيسية الثلاثة (الحديدة، الصليف، رأس عيسى)، تمثل شريانًا اقتصاديًا وإنسانيًا بالغ الأهمية، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من واردات الغذاء والوقود والمساعدات.
جاء اتفاق ستوكهولم كحل إسعافي هدفه الأساسي وقف المعركة في الحديدة، وليس تسوية شاملة للحرب في اليمن، ونصّ على وقف إطلاق النار، وإعادة انتشار متبادل للقوات خارج المدينة والموانئ، ونزع الطابع العسكري عنها، إضافة إلى ترتيبات إنسانية وأمنية، وتفاهمات أخرى شملت ملف الأسرى وتهدئة القتال في تعز.
وفي يناير/كانون الثاني 2019، أصدر مجلس الأمن قراره رقم (2452) الذي أنشأ بموجبه بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، لتكون ذراعًا ميدانية تراقب تنفيذ الاتفاق وتدعم لجنة تنسيق إعادة الانتشار، وتتحقق من التزام الأطراف ببنوده.
المهام المعلنة
من الناحية النظرية، كانت مهام “أونمها” واضحة ومحددة: مراقبة وقف إطلاق النار، دعم تنفيذ إعادة الانتشار، تسهيل عمل لجنة التنسيق المشتركة، والمساهمة في خلق بيئة آمنة ومستقرة في الحديدة وموانئها، ولتعزيز حضورها، نشرت الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2019 خمس نقاط مراقبة في مواقع استراتيجية داخل المدينة ومحيطها.
غير أن الفجوة بين النصوص والواقع سرعان ما اتسعت، فوقف إطلاق النار ظل هشًا فترة ثم تحول من خروقات الى هجمات متواصلة ومتكررة من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية في حين تعثرت إعادة الانتشار منذ أشهرها الأولى، ولم يُنفذ نزع سلاح المدينة، بل على العكس، عززت جماعة الحوثي الإرهابية وجودها العسكري والأمني، واستحدثت تشكيلات وعصابات ونقاط نفوذ جديدة داخل المدينة والموانئ.
ورغم ذلك، اكتفت البعثة في معظم الأحيان بتسجيل الخروقات أو التعبير عن “القلق”، دون اتخاذ مواقف حازمة أو تحميل طرف بعينه مسؤولية التعطيل، رغم وضوح الطرف المسؤول والمتمثل في مليشيا الحوثي الإرهابية، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام انتقادات متزايدة لدورها وأدائها.
تواطؤ وانحياز
على مدى سنوات عملها، وُجهت إلى بعثة “أونمها” اتهامات متكررة بالتقصير، بل وبالانحياز الصريح والواضح لصالح جماعة الحوثي الارهابية، إذ اتهمت الحكومة اليمنية ومحللون سياسيون وناشطون البعثة بالتعامل بمرونة مفرطة مع خروقات مليشيا الحوثي الإرهابية، وغض الطرف عن تحركاتها العسكرية، مقابل تشدد أكبر في التعاطي مع الحكومة.
ومن أبرز الاتهامات التي طُرحت، قبول البعثة بما سُمّي “إعادة الانتشار الأحادي” الذي نفذته جماعة الحوثي في عام 2019، حيث انسحبت قوات تحمل زيًا حوثيًا واستُبدلت بعناصر محلية موالية لها، مع بقاء السيطرة الفعلية للمليشيا، وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية التفافًا واضحًا على الاتفاق، جرى تمريره بغطاء أممي.
كما أُخذ على البعثة فشلها في منع استغلال مليشيا الحوثي الارهابية لموانئ الحديدة، سواء من خلال تهريب السلاح أو توظيف عائداتها المالية في تمويل المجهود الحربي، دون أن ينعكس ذلك على صرف رواتب الموظفين أو تحسين الوضع الإنساني، كما كان متفقًا عليه.
هذه الانتقادات عززت الانطباع بأن “أونمها” تحولت من أداة لتنفيذ الاتفاق إلى مظلة تحمي الأمر الواقع الذي فرضته مليشيا الحوثي الارهابية بالقوة، وتمنحها اشراف أممي غير مباشر.
مواقف دولية متباينة
قرار التمديد الأخير والتمهيد لإنهاء البعثة كشف بوضوح عن تباين المواقف داخل مجلس الأمن. فقد رحبت المملكة المتحدة، مقدمة مشروع القرار، بالخطوة، معتبرة أن الوقت حان لانتقال منظم لمهام البعثة المتبقية إلى مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة، بما ينسجم مع واقع فشلها في تحقيق أهدافها.
الولايات المتحدة ذهبت أبعد من ذلك، حيث رأت أن عرقلة مليشيا الحوثي الإرهابية المستمرة جرّدت البعثة من غايتها الأساسية، وأن إنهاء عملها بات ضرورة، لا سيما بعد أن تحولت إلى كيان بلا تأثير فعلي.
في المقابل، عبّرت روسيا والصين عن تحفظهما، معتبرتين أن البعثة تمثل أحد أوجه الحضور الأممي القليلة المتبقية في اليمن، وأن إنهاءها قد يبعث برسائل سلبية ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الحديدة غير أن منتقدين رأوا في هذا الموقف دفاعًا عن تجربة أثبتت عجزها، أكثر من كونه حرصًا حقيقيًا على السلام.
إنها الفشل
القرار رقم (2813) لم يكتفِ بتحديد موعد انتهاء الولاية، بل طلب من الأمين العام للأمم المتحدة إعداد خطة انتقال وتصفية، تشمل نقل المهام المتبقية، والانسحاب المنظم والآمن لأفراد البعثة وأصولها، هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة داخل أروقة الأمم المتحدة بأن استمرار “أونمها” لم يعد مجديًا، وأن بقاءها بات عبئًا سياسيًا أكثر منه رصيدًا.
ويرى مراقبون أن إنهاء دور البعثة جاء بعد سنوات من الفشل والعبث وعدم الإنجاز، وأنه يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن النهج الذي أُدير به ملف الحديدة لم يكن ناجحًا، وأن الرهان على “التهدئة المؤقتة” دون آليات تنفيذ وضغط حقيقية، أدى إلى تجميد الصراع بدل حلّه.
ست سنوات اخفاق
بعد نحو سبع سنوات على إنشاء بعثة “أونمها”، تغادر التجربة المشهد اليمني مثقلة بالإخفاقات والأسئلة. فلم يتحقق السلام في الحديدة، ولم تُنفذ بنود الاتفاق الجوهرية، ولم تتحول البعثة إلى عامل بناء ثقة، بل أصبحت – في نظر كثيرين – رمزًا لخلل عميق في إدارة الأزمات الدولية.
إن إنهاء دور “أونمها” لا يعني نهاية أزمة الحديدة، لكنه يطوي صفحة تجربة أممية فشلت في ترجمة قرارات مجلس الأمن إلى واقع ملموس، ويعيد طرح سؤال جوهري حول فاعلية البعثات الأممية في النزاعات المعقدة، عندما تُدار بلا أدوات ضغط حقيقية، وبلا مساءلة عن النتائج.
وبينما ينتقل الملف إلى مكتب المبعوث الأممي، يبقى التحدي الأكبر متمثلًا في كيفية تجاوز إرث الفشل، ومنع تكرار أخطاء الماضي، في مسار لا يزال طويلًا ومعقدًا نحو سلام حقيقي في اليمن.








