خلف الدخان المتصاعد من الفاشر، وخلف الأرقام المروّعة التي يكشفها تقرير الأمم المتحدة، تبرز يدٌ خفية يتردد اسمها في كل تحقيق وكل عقوبة وكل شهادة ناجٍ: أبوظبي التي تنفي أي تورط، باتت في مواجهة متصاعدة مع الأدلة المتراكمة التي تربطها بأسوأ جريمة إنسانية في العالم اليوم.
فمن المرتزقة الكولومبيين المُجنَّدين في دبي، إلى الطائرات المسيّرة التي أصابت المستشفيات والمساجد، إلى شبكات الأعمال التي تموّل الميليشيات، تتشكّل صورة إدانة دولية متكاملة لأبوظبي، فيما يظل الموقف الإماراتي حبيس عبارات «القلق البالغ» التي لا تُقنع أحداً.
ولم يكتفِ تقرير ير الأمم المتحدة الصادر الخميس 19 فبراير 2026 بتوثيق فظائع قوات الدعم السريع في الفاشر، بل فتح ملفاً دولياً حساساً يطال أبوظبي، ويُعيد رسم خريطة التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
فرغم أن التقرير لم يُركّز على دور القوى الأجنبية، فإن خبراء الأمم المتحدة أقرّوا بأن الهجوم استُعين فيه بطائرات مسيّرة أصابت المستشفيات والمساجد وبمرتزقة أجانب، في إشارات لا تحتاج إلى تأويل.
وبالتزامن، طالبت واشنطن والرياض بهدنة فورية على هامش جلسة مجلس الأمن، فيما فاجأ حميدتي العالم بظهوره في كمبالا بعد غياب ثمانية أشهر، في مشهد يكشف أن الحرب السودانية تُدار على أكثر من جبهة.
الطائرات المسيّرة
أشار تقرير الأمم المتحدة صراحةً إلى أن مقاتلي قوات الدعم السريع شنّوا قصفاً مكثفاً بالطائرات المسيّرة على الفاشر طوال فترة الحصار، استهدف المستشفيات والمساجد والأحياء السكنية في عملية وصفها التقرير بأنها «مخططة ومنظمة».
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أكدت في بيان عقوباتها الصادر في اليوم ذاته أن هذا الهجوم دُعم بطائرات مسيّرة أجنبية، فيما سبق لمحققي الأمم المتحدة المستقلين في 2024 أن أيّدوا ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز من أن الإمارات هي مصدر هذه الطائرات.
المرتزقة الأجانب
لم يغفل التقرير الإشارة إلى توظيف مرتزقة أجانب في الهجوم على الفاشر، وهو ما يتقاطع مع ما كشفته وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر 2024 من فرضها عقوبات على شبكة اتُّهمت بإرسال مرتزقة كولومبيين كان جنديٌّ سابق مقيم في دبي حلقةَ وصلها الرئيسية.
ورصدت منظمة «ذا سنتري» سجلات شركات تُثبت أن هؤلاء المرتزقة جُنِّدوا عبر رجل أعمال إماراتي مرتبط بشراكة تجارية مع مسؤول إماراتي رفيع، في مسار يربط التجنيد بشبكة مؤسسية لا بأفراد منفردين.
موقف أبوظبي
ردّت أبوظبي على التقرير الأممي بعبارات حذرة ومدروسة، إذ أعربت وزارة الخارجية عن «قلقها البالغ» وأدانت الفظائع المرتكبة. وحين واجهتها أسئلة محددة عن الاتهامات الموجهة إليها، قالت إنه لا يوجد دليل على «مزاعم لا أساس لها تربط أبوظبي بانتهاكات القانون الدولي في السودان».
غير أن هذا النفي يصطدم بما باتت توثّقه الأمم المتحدة والخزانة الأمريكية والمنظمات البحثية المستقلة من أدلة متراكمة تجعل موقف أبوظبي في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي.
واشنطن والرياض
على هامش جلسة مجلس الأمن في نيويورك، طالب المستشار الأمريكي مسعد بولس الأطراف السودانية بقبول الهدنة «فوراً ودون شروط مسبقة»، مؤكداً التزام واشنطن بمحاسبة المسؤولين عن الإبادة ودعم الانتقال نحو حكومة مدنية.
وفي السياق ذاته، أدان المندوب السعودي عبد العزيز الواصل هجمات قوات الدعم السريع على المستشفيات وقوافل الإغاثة، مستعرضاً جهود الرياض منذ مفاوضات جدة، ومشيراً إلى أن مساعداتها للسودان بلغت 3.1 مليارات دولار. غير أن رئيس مجلس السيادة البرهان رفع سقف شروطه رافضاً أي هدنة لا تتضمن انسحاب قوات الدعم السريع، مما يُعقّد المشهد التفاوضي برمّته ويُشير إلى أن الفجوة بين الأطراف لا تزال شاسعة.
حميدتي يظهر في أوغندا
في تطور لافت يكشف عن أبعاد الصراع الخفية، ظهر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في كمبالا مطلع الأسبوع للمرة الأولى منذ يونيو 2025، حيث استقبله الرئيس الأوغندي موسفيني في قصر الدولة. ورافق حميدتي وفد رفيع ضم قادة سياسيين وعسكريين وحكام أقاليم، في إشارة إلى أن الزيارة تحمل أبعاداً تفاوضية تتجاوز البروتوكول.
وجاء ظهوره في توقيت حساس يتزامن مع صدور التقرير الأممي والعقوبات الأمريكية الجديدة، مما يُرجّح سعي الدعم السريع عبر القنوات الأفريقية إلى كسر العزلة الدولية المتصاعدة وتحصيل شرعية إقليمية في مواجهة الضغوط المتراكمة.
تداعيات الإبادة
يُدرك المراقبون أن توصيف الأمم المتحدة للهجوم بـ«سمات الإبادة الجماعية» يُغيّر طبيعة المسؤولية القانونية لكل طرف مرتبط بقوات الدعم السريع دعماً أو تمويلاً. فالإبادة في القانون الدولي تمتد تبعاتها لتطال كل من أسهم في تمكين مرتكبيها، وهو ما يجعل التقرير الأممي مدخلاً لتدقيق جديد في الدور الإماراتي قد يمتد من ضغوط دبلوماسية إلى ملاحقات قانونية دولية، في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى تعزيز مكانتها الدولية ولا تحتاج إلى هذا الثقل في ملفاتها الخارجية.
أبرز الوقائع والأرقام
طائرات مسيّرة أجنبية وثّق التقرير استخدامها في قصف مستشفيات الفاشر ومساجدها
مرتزقة أجانب أشار التقرير إلى توظيفهم في الهجوم
2024 تاريخ تأييد محققي الأمم المتحدة المستقلين للتورط أبوظبي
3.1 مليارات دولار مساعدات سعودية للسودان منذ اندلاع الأزمة
3 قادة من الدعم السريع خضعوا لعقوبات أمريكية جديدة
النفي المطلق لموقف أبوظبي رغم تراكم الأدلة الأممية
كمبالا أول ظهور علني لحميدتي منذ 8 أشهر
إبادة جماعية توصيف يُوسّع نطاق المسؤولية القانونية لكل داعم
*صحيفة الوطن السعودية








