هام

    خوارزميات أبوظبي تحصن الإرهابيين

    خوارزميات أبوظبي تحصن الإرهابيين

    خوارزميات أبوظبي تحصن الإرهابيين

    لم يكن مشهد المذيعة في إحدى أشهر قنوات أبوظبي، وهي تبتسم خلال حوارها مع ضابط من قوات الدعم السريع في الفاشر بعد أيام من مجزرة موثقة هزّت المدينة، مجرد سقطة مهنية عابرة. الضابط الذي منحته المنصة الإعلامية مساحة هادئة للحديث سبق أن ظهر في تسجيل يحرض فيه عناصره على ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

    المشهد يختصر جانباً من المعركة الرقمية الموازية، التي تُدار بعيداً عن خطوط النار في السودان، حيث تُعيد أبوظبي كتابة الرواية باستخدام الحسابات الوهمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل الوعي العام العربي والغربي، وتلميع صورة المتهمين بارتكاب فظائع وجرائم حرب ضد الإنسانية، وتشتيت الانتباه عن أدوار خارجية في الصراع، وصولاً إلى 215 مليون مستخدم حول العالم.

    شبكة التأثير الخفية

    تحقيقات وتقارير صادرة عن جهات دولية، بينها فريق خبراء الأمم المتحدة (S/2024/65)، ومنظمة The Sentry، ومختبر الأبحاث الرقمية التابع للمجلس الأطلسي DFRLab، إضافةً إلى تقارير إعلامية من BBC وMiddle East Eye، تشير إلى وجود شبكة واسعة من الحسابات المنسّقة تعمل من داخل الإمارات أو بتمويل مرتبط بأبوظبي.

    وهذه الشبكة تهدف إلى: تلميع صورة قوات الدعم السريع، وتشويه الجيش السوداني، والتقليل من شأن التقارير الأممية والحقوقية التي وثّقت انتهاكات جسيمة في دارفور والخرطوم والجزيرة. وصل محتوى هذه الشبكة إلى 215 مليون مستخدم، ما يعكس ضخامة غرفة العمليات الرقمية التي تتحكم في الرواية السودانية من أبوظبي.

    احترافية التلميع والتشوية

    منذ اندلاع المواجهة المسلحة في أبريل 2023، لم تقتصر الحرب على الميدان، بل انتقلت سريعاً إلى الفضاء الرقمي، حيث تكاثرت الحسابات على منصات إكس وتيليغرام ويوتيوب وتيك توك وفيسبوك، بخطاب متشابه، وتوقيت نشر متزامن، ورسائل متطابقة بلغات متعددة. استهدفت هذه الحسابات الوصول إلى ما يقارب ربع مليار مستخدم، لتبييض صورة الدعم السريع وتشويه الجيش السوداني، وتحويل المنصات الرقمية إلى ساحة قتال موازية للميدان.

    رصد باحثو DFRLab نمطاً متكرراً لحسابات أُنشئت في تواريخ متقاربة، تستخدم صوراً مسروقة أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وتدفع بسردية واحدة: نفي أو التشكيك في الجرائم المنسوبة إلى الدعم السريع، مقابل تضخيم روايات مضادة ضد الجيش السوداني. وأشارت التقارير إلى أن 500 حساب منسّق نشر عشرات الآلاف من المنشورات بين 2023 و2025، محققاً انتشاراً واسعاً وصل إلى ما يقارب ربع مليار مستخدم.

    وفي أكتوبر 2025، كشف تحقيق لـBBC عن أكثر من 100 حساب مزيّف انتحل صفة نساء صوماليات ومؤثرات في مجال أسلوب الحياة، مستهدفاً جمهور شرق أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء. استخدمت هذه الحسابات صوراً حقيقية مسروقة وأخرى مولّدة رقمياً، للترويج لروايات تُظهر أبوظبي كقوة «خيّرة»، بينما تهجم على الجيش السوداني وتدافع عن الدعم السريع. إحدى المتضررات قالت إن صورها استُخدمت دون علمها، فيما عجزت عن إيقاف الانتحال.

    الدُّمى الرقمية

    وصف الباحث في التضليل الرقمي مارك أوين جونز هذه الشبكات بأنها «دُمى إلكترونية» تعمل ضمن منظومة أوسع تخدم أهداف السياسة الخارجية لأبوظبي في أفريقيا. وفق تقرير Graphika، يتشارك عدد من الحسابات بنية تحتية تقنية واحدة، وبعضها أُنشئ قبل اندلاع الحرب بسنوات، ما يدل على تخطيط مسبق وليس مجرد استجابة طارئة.

    وفي تحقيق نشره Middle East Eye أشار إلى أن حسابات مرتبطة بالدعم السريع وحكومته الموازية تبث محتواها من داخل أبوظبي، بما يعزز فرضية وجود غرفة عمليات رقمية خارج السودان تدير جزءاً كبيراً من المعركة الإعلامية، مؤثرة على ما يقارب 215 مليون مستخدم حول العالم.

    المال والمرتزقة

    وثّقت The Sentry في تقريرها الصادر أكتوبر 2025 مسارات تمويل لحملات علاقات عامة رقمية مرتبطة بمصالح قوات الدعم السريع، عبر شركات مسجّلة في أبوظبي أو وسطاء إقليميين. تدفقت الأموال من أبوظبي نحو شركات تسويق رقمي في دولتين إقليميتين وكينيا لتوظيف مؤثرين ناطقين بالعربية والإنجليزية والسواحيلية، بما يخدم رواية تلميع الدعم السريع وتشويه صورة الجيش السوداني أمام 215 مليون مستخدم.

    في سياق موازٍ، كشف الرئيس الكولومبي Gustavo Petro في ديسمبر 2024 أن مئات من مواطنيه جرى استدراجهم عبر شركة أمن خاصة مسجّلة في أبوظبي للقتال في السودان. كما أوردت تقارير أممية وأميركية معلومات عن شحنات أسلحة وصلت إلى الدعم السريع عبر مسارات إقليمية، وهو ما خلص إليه تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة (S/2024/65).

    خطابات النفي وقلب الحقائق

    تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة لإعادة كتابة الحقائق، حيث اعتمدت الشبكات المرتبطة بالدعم السريع أسلوباً منهجياً لنفي الانتهاكات وتضليل الرأي العام. فكل تقرير أممي أو حقوقي يوثق المجازر وجرائم الاغتصاب كان يواجه حملة مضادة تمتلئ بالتحريف والتشكيك، لتقديم الجرائم على أنها «ادعاءات غير مثبتة» أو «دعاية حربية»، بينما تُبرز المزاعم المضادة الجيش السوداني كمجرم وتطغى على الروايات الواقعية. الصحفيون والباحثون الذين حاولوا كشف الدور الإماراتي في الصراع تعرضوا لحملات تشهير منظمة، مصممة لزراعة الشك في مصداقيتهم، ما جعل الرواية الرقمية المضللة تصل إلى ما يقارب 215 مليون مستخدم، وتصبح قوة موازية تسحب الانتباه عن مجازر أرض الواقع وتبييض صورة المليشيا أمام العالم.

    السودان مختبر الحرب الرقمية

    يرى محللون في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR أن السودان أصبح مختبراً حياً لنموذج نفوذ إقليمي يعتمد على المزج بين الدعم العسكري غير المباشر، وشبكات التمويل، وأدوات التأثير الرقمي. في هذا النموذج، تُدار المعركة على الشاشات بقدر ما تُدار في الميدان، ويظل المدنيون يدفعون الثمن بينما تُستخدم خوارزميات الدم لإعادة تزوير الحقائق، وصولاً إلى ما يقارب ربع مليار مستخدم حول العالم.

    *صحيفة الوطن السعودية

    قد يعجبك أيضاً!