الأمر يحدث بالفعل. بعد أشهر طويلة من التكهنات والحديث المتكرر عن إمكانية عودة جوزيه مورينيو إلى ريال مدريد، قرر فلورنتينو بيريز تنفيذ خطته أخيرًا، ليعيد المدرب البرتغالي إلى ملعب سانتياجو برنابيو بعد 13 عامًا من نهاية ولايته الأولى التي انتهت وسط أجواء مشحونة وصدامات حادة داخل النادي.
التقارير المتداولة على نطاق واسع أكدت، يوم الإثنين، أن إدارة ريال مدريد توصلت إلى اتفاق نهائي مع مورينيو لقيادة الفريق في ولاية ثانية، في خطوة أعادت إلى الأذهان واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ النادي الحديث.
ورغم أن اسم مورينيو كان حاضرًا بقوة في الأسابيع الأخيرة كأبرز المرشحين لخلافة ألفارو أربيلوا، الذي تولى المهمة بعد الإطاحة المفاجئة بتشابي ألونسو في يناير الماضي، فإن توقيت العودة لا يزال صادمًا بالنسبة للكثيرين.
ريال مدريد يعيش حاليًا حالة من الفوضى الحقيقية؛ إدارة تتعرض لضغوط متزايدة، إصابات تضرب الفريق بصورة كارثية، توتر داخل غرفة الملابس، وجماهير غاضبة وصلت إلى حد المطالبة بالتخلص من بعض النجوم الكبار.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو إعادة مورينيو أشبه بإضافة مزيد من الوقود إلى حريق مشتعل بالفعل وذلك حسبما أفاد موقع "جول".. لكن من هم المستفيدون والمتضررون الحقيقيون من هذه الخطوة المثيرة؟
الفائز: جوزيه مورينيو
بالنسبة إلى مورينيو، فإن العودة إلى ريال مدريد تمثل فرصة استثنائية لإحياء مسيرته التدريبية التي فقدت جزءًا كبيرًا من بريقها خلال السنوات الأخيرة.
المدرب البرتغالي كان يومًا ما يُنظر إليه باعتباره أفضل مدرب في العالم، خاصة بعد إنجازاته التاريخية مع بورتو وتشيلسي وإنتر ميلان، والتي بلغت ذروتها بتحقيق الثلاثية الأوروبية مع الفريق الإيطالي عام 2010.
عندما وصل مورينيو إلى ريال مدريد للمرة الأولى، كان في قمة مجده، وكانت شخصيته القوية وأسلوبه الصدامي يُنظر إليهما كأحد مفاتيح النجاح. أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا.
مورينيو لم يفز بلقب دوري محلي منذ عام 2015، كما أن تجاربه الأخيرة مع مانشستر يونايتد وتوتنهام وروما وفنربخشة لم تحقق النجاح المتوقع، بل إن معظم تلك الأندية بدت مرتاحة بعد رحيله.
ورغم أن المدرب البرتغالي واصل انتقاد المدربين الشباب والتشكيك في قدراتهم خلال السنوات الماضية، فإن الحقيقة أن سجله الحديث لا يمنحه أفضلية واضحة للحصول على وظيفة بحجم تدريب ريال مدريد.
لهذا السبب، تبدو عودته بمثابة فرصة أخيرة لإثبات أنه لا يزال قادرًا على المنافسة في أعلى مستويات كرة القدم الأوروبية، وأن شخصية “السبيشل وان” لم تفقد تأثيرها بالكامل.
الخاسر: فلورنتينو بيريز
في المقابل، يبدو فلورنتينو بيريز وكأنه يكرر مغامرة قديمة بكل تفاصيلها. رئيس ريال مدريد لطالما آمن بأن النادي يحتاج إلى شخصية قوية تستطيع فرض السيطرة على غرفة الملابس والتعامل مع الضغوط الهائلة المحيطة بالفريق. ولهذا السبب، فضّل دائمًا المدربين أصحاب الحضور الطاغي.
لكن مورينيو يختلف كثيرًا عن زين الدين زيدان أو كارلو أنشيلوتي، اللذين نجحا في إدارة النجوم بهدوء وذكاء، مع الحفاظ على التوازن داخل الفريق. مورينيو لا يهدئ الأجواء، بل يصنع التوتر حيثما ذهب. أسلوبه قائم على الصدام، سواء مع اللاعبين أو الإعلام أو الحكام أو حتى الإدارات.
ورغم نجاحه في كسر هيمنة برشلونة خلال ولايته الأولى عبر التتويج بلقب الدوري الإسباني وكأس الملك، فإن التجربة انتهت بصورة كارثية بعد خسارته دعم عدد من كبار اللاعبين، وعلى رأسهم إيكر كاسياس وسيرجيو راموس.
كما أن كرة القدم تغيرت كثيرًا منذ ذلك الوقت، بينما لم يعد تأثير مورينيو النفسي والتحفيزي كما كان في الماضي، وهو ما يجعل رهان بيريز محفوفًا بمخاطر هائلة.
الأخطر أن رئيس ريال مدريد وضع جزءًا كبيرًا من سمعته ومستقبله الإداري على المحك بهذا القرار، لأن أي فشل جديد قد يتحول إلى ضربة قاسية لإدارته في ظل حالة الغضب الحالية داخل النادي.
الفائز: برشلونة
في برشلونة، تبدو عودة مورينيو خبرًا مثيرًا للاهتمام أكثر من كونه مصدر خوف حقيقي.
هانز فليك كان يدرك أن مشروع تشابي ألونسو قد يمثل تهديدًا طويل الأمد لبرشلونة، خاصة مع محاولة المدرب الإسباني بناء فريق يعتمد على العمل الجماعي والأفكار الحديثة. لكن انهيار المشروع سريعًا وإقالة ألونسو بعد أشهر قليلة فقط كشفا حجم التخبط الإداري داخل ريال مدريد.
ورغم أن مورينيو يمتلك تاريخًا ناجحًا نسبيًا أمام برشلونة، بعدما قاد ريال مدريد للفوز بالدوري الإسباني وكأس الملك خلال فترته الأولى، فإن الظروف الحالية مختلفة تمامًا.
برشلونة يعيش حالة من الاستقرار الفني، ويعتمد على مجموعة شابة متماسكة من خريجي “لاماسيا”، بينما يدخل مورينيو إلى غرفة ملابس منقسمة ومليئة بالتوترات.
لذلك، قد يرى كثيرون أن برشلونة هو المستفيد الأكبر من هذه العودة، خاصة إذا تحولت شخصية مورينيو الصدامية إلى عامل جديد يزيد من اضطرابات ريال مدريد.
الخاسر: فينيسيوس جونيور
من بين جميع لاعبي ريال مدريد، يبدو أن فينيسيوس جونيور قد يكون أكثر المتضررين من عودة مورينيو.
العلاقة بين الطرفين تبدو معقدة بالفعل بسبب تصريحات المدرب البرتغالي السابقة حول الأحداث التي شهدتها مباراة بنفيكا في دوري أبطال أوروبا، عندما تعرض فينيسيوس لإساءات عنصرية ولفظية.
مورينيو ألمح آنذاك إلى أن تصرفات اللاعب البرازيلي تساهم في إثارة الجماهير ضده، وهو ما أثار موجة غضب واسعة، لأن تصريحاته بدت وكأنها تحميل غير مباشر لفينيسيوس مسؤولية ما يتعرض له من إساءات.
هذه الخلفية تجعل من الصعب توقع علاقة مستقرة بين الطرفين، خصوصًا في ظل استمرار الجدل حول مستقبل اللاعب، الذي ينتهي عقده العام المقبل وسط شائعات متزايدة عن إمكانية رحيله إلى نادٍ أوروبي كبير.
الفائز: الإعلام وأصحاب حقوق البث
سواء أحببته أم كرهته، يبقى جوزيه مورينيو واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والجذب الإعلامي في كرة القدم العالمية.
المدرب البرتغالي يمتلك قدرة استثنائية على صناعة العناوين المثيرة، وتحويل أي مؤتمر صحفي إلى حدث جماهيري ضخم.
ولهذا السبب، فإن عودته إلى ريال مدريد تمثل خبرًا مثاليًا لشبكات البث ووسائل الإعلام، لأن مباريات الفريق ستحظى بمتابعة هائلة، سواء من أنصار مورينيو أو منتقديه.
مورينيو لا يترك أحدًا على الحياد، وهذه تحديدًا هي القيمة التسويقية الكبرى التي يضيفها أينما ذهب.
الخاسر: كرة القدم الإسبانية
عودة مورينيو إلى ريال مدريد تعني أيضًا احتمال عودة واحدة من أكثر الفترات توترًا في تاريخ الكرة الإسبانية. فترة الكلاسيكو بين ريال مدريد وبرشلونة خلال وجود مورينيو كانت مليئة بالصدامات والاتهامات والتوترات التي تجاوزت حدود المنافسة الرياضية.
جيرارد بيكيه اتهم مورينيو سابقًا بـ”تدمير كرة القدم الإسبانية”، بينما تحدث أندريس إنييستا عن الأجواء السامة التي زرعها المدرب البرتغالي بين لاعبي الفريقين، وتأثيرها السلبي حتى على المنتخب الإسباني.
كما كشف إيكر كاسياس لاحقًا أنه حاول التدخل لتهدئة الأوضاع مع لاعبي برشلونة، لأن استمرار تلك الحرب كان يهدد استقرار الكرة الإسبانية بالكامل.
وفي ظل التوتر الحالي بين ريال مدريد وبرشلونة، والاتهامات المتبادلة بين الناديين بشأن التحكيم والتأثير داخل المنظومة الكروية، تبدو عودة مورينيو في هذا التوقيت تحديدًا مخاطرة قد تعيد إشعال أجواء الانقسام والفوضى من جديد.
ولهذا، فإن كثيرين يرون أن “السبيشل وان” لا يعود فقط إلى ريال مدريد، بل يعود أيضًا ليضع كرة القدم الإسبانية بأكملها أمام مرحلة جديدة من التوتر والصدامات.
المصدر: كووورة







