كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية أن شبكة الجمارك الداخلية التي أنشأتها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها تحولت إلى منظومة مالية موازية تدرّ إيرادات سنوية تُقدّر بين 90 و120 مليار ريال يمني (نحو 65–85 مليون دولار)، وتمثل ما يصل إلى 74–85% من إجمالي الإيرادات الجمركية في البلاد خلال عام 2024، في مؤشر على انتقال جزء كبير من السيادة المالية إلى سلطة الأمر الواقع.
وأوضحت الدراسة أن هذه المنظومة تضم أكثر من 220 نقطة جمركية داخلية نشطة موزعة على ما لا يقل عن عشر محافظات، بعد أن تطورت تدريجياً منذ بداية الحرب من نقاط تفتيش وجباية محدودة ذات طابع أمني إلى شبكة منظمة ذات طابع مؤسسي، ترتبط بمركز بيانات مالي في صنعاء وتدار عبر نموذج يجمع بين الإدارة البيروقراطية وأدوات الإكراه الأمني والعسكري.
وبيّنت أن هذه الجبايات لا تقتصر على دورها المالي، بل تُستخدم كأداة لإعادة تشكيل السوق اليمنية عبر فرض “حدود اقتصادية داخلية”، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 25 و30% في المتوسط، وتجاوزت في بعض المسارات 200%، نتيجة تعدد نقاط التحصيل والرسوم غير القانونية والتأخيرات المتكررة.
وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي ارتفعت بنحو 10 إلى 15%، الأمر الذي ساهم في تآكل القدرة الشرائية وتوسيع رقعة الفقر، في وقت يعيش فيه أكثر من 70% من السكان تحت خط الفقر، وفق ما أوردته الدراسة، التي أشارت أيضاً إلى أن الاقتصاد اليمني فقد نحو نصف ناتجه الحقيقي مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
وأكدت الدراسة أن الجزء الأكبر من هذه الإيرادات يُوجَّه لتمويل أنشطة الحرب، بما في ذلك الجبهات والعمليات العسكرية والأمنية، فيما لا تتجاوز حصة الخدمات العامة نحو 10%، ما يعكس تحوّل الجمارك من أداة لتنظيم التجارة إلى آلية لتمويل النزاع وإدامة نفوذ الجماعة.
وفي الجانب القانوني، اعتبرت الدراسة أن نظام الجمارك الداخلية يمثل انتهاكاً صريحاً لقانون الجمارك رقم (14) لسنة 1990، الذي يحصر التحصيل في المنافذ الرسمية، كما يتعارض مع مبادئ الدستور المتعلقة بوحدة السوق والخزينة العامة وحرية التنقل، ما يعني مساساً مباشراً بفكرة الدولة ومؤسساتها.
ولفتت إلى تداعيات إنسانية مباشرة، أبرزها إعاقة تدفق المساعدات، حيث تتعرض القوافل لتأخيرات تتراوح بين 48 و72 ساعة، مع فرض رسوم إضافية تتراوح بين 300 و600 دولار على الشاحنة الواحدة، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الغذاء والدواء ويزيد معاناة الفئات الأكثر ضعفاً.
ودعت الدراسة إلى تبني مقاربة متعددة المراحل لمعالجة الظاهرة، تشمل توسيع العقوبات الدولية على المتورطين في الجباية غير القانونية، وتجميد أصولهم، وتعزيز الرقابة على تدفق السلع، إلى جانب تحديث العمل الجمركي في المنافذ الرسمية، لا سيما في عدن والمخا والمهرة.
كما أوصت بالاستعداد لمرحلة ما بعد الصراع عبر توحيد التعرفة الجمركية، وإعادة ربط جميع المنافذ بمؤسسات الدولة، وإنشاء هيئة انتقالية للإيرادات لضمان تفكيك اقتصاد الحرب ومنع إعادة إنتاجه، تمهيداً للانتقال إلى اقتصاد مستقر قائم على سيادة القانون.







