بلادي نت_سمير حسن
قبل أن ترفع جميلة عبيد باب محلها في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تمرر يدها على لافتة مشروعها، ثم ترتب زجاجات العطور المركبة محليا بعناية في الواجهة، بينما تعلق حفيدتها ريم (10 أعوام) الجلابيات عند المدخل.
في هذا الكشك الصغير لا يبدأ يوم عمل فحسب، بل محاولة يومية لصمود أسرة في مواجهة اقتصاد أنهكته الحرب. جميلة، أرملة في الخمسين تعيل ستة أفراد، بدأت مشروعها من منزلها قبل سبع سنوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ضعف خدمات التوصيل وارتفاع كلفة الإعلان قيدا قدرتها على التوسع.
اليوم تعمل ضمن سوق نسائي جديد في المدينة منحها مساحة ثابتة لعرض منتجاتها والتواصل المباشر مع الزبائن، فانعكس ذلك على ثقتها بنفسها وشعورها بالاعتماد على ذاتها.
كشك صغير.. باب واسع للأمل
تقول: "يختلف الأمر عندما ترى الزبونة المنتج أمامها، هذا أفضل من رؤيته في صورة"، وتضيف مبتسمة: "السوق منحني الثقة قبل أن يمنحني مكانا للبيع، لم أتخيل يوما أن يكون لي محل".
جميلة ليست وحدها في هذه التجربة، فالسوق الذي افتتح منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي في حي كريتر، أحد أقدم أحياء عدن، يدار بالكامل من قبل نساء، ويضم 54 مشاركة يدرن أكشاكا لبيع الملابس والإكسسوارات والصناعات الغذائية والمشغولات اليدوية.
عند المدخل تعلو البوابة لوحة بيضاء كتب عليها بالإنجليزية "سوق النساء" (Women Market)، اسم يلخص فكرة المكان: مساحة تجارية نسائية بالكامل.
في الداخل، تتدلى عباءات ملونة من أبواب نصف مفتوحة، وتختلط روائح البخور بالعطور المنزلية، وخلف الطاولات تقف نساء من أعمار وتجارب مختلفة؛ بعضهن يخضن أول تجربة تجارية لهن، وأخريات يخرجن مهارات ظللن يمارسنها داخل البيوت إلى فضاء علني.
وبين تفاصيل المكان وأكشاكه الصغيرة تتكشف دلالة أوسع، ففي بلد تدهورت فيه قيمة العملة وتآكلت القدرة الشرائية، تحول هذا السوق إلى طوق نجاة لكثير من النساء اللواتي وجدن أنفسهن معيلات لأسر كاملة في ظل اقتصاد هش.
من بين هؤلاء نسيم أبو الحسين (42 عاما)، التي تشبه قصتها حكاية جميلة، فقد كانت تعمل من منزلها بإنتاج محدود ودخل متذبذب، أما الآن فوفر لها السوق مساحة عرض مستقرة واحتكاكا مباشرا مع الزبائن، مما منحها قدرا من الاستقرار.
تقول وهي ترتب صواني المعجنات على طاولة خشبية: "كنت أبيع لجاراتي فقط، واليوم أصبح لدي محل". وتوضح أن دخلها الشهري تحسن نسبيا: "ليس كبيرا، لكنه أصبح منتظما أكثر"، مضيفة: "الفرق الحقيقي أنني أستطيع التخطيط لمصاريف البيت بدل الاعتماد على الحظ".
نجاح نسائي في اقتصاد هش
مع ذلك، لا تبدو الصورة وردية تماما. سالي سيف، التي تبيع ملابس النساء والأطفال، تشير إلى تذبذب حركة البيع وتراجعها أحيانا بشكل حاد. تقول: "الناس بالكاد توفر احتياجاتها الأساسية"، في إشارة إلى تآكل القوة الشرائية في المدينة، بما يذكّر بأن السوق جزء من واقع اقتصادي عام لا يزال هشا.
ورغم هذه التحديات، تؤكد إدارة السوق أن الهدف لم يكن توفير مكان للبيع فقط، بل خلق بيئة آمنة تتيح للنساء اكتساب خبرات إدارية وتسويقية تعزز حضورهن في النشاط الاقتصادي المحلي.
توضح شفاء سعيد باحميش، منسّقة مشروع سوق النساء: "الانضمام خضع لمعايير تراعي صعوبة الوضع المعيشي والحاجة الفعلية لتثبيت مصدر دخل مستدام، بما يضمن وصول الفرصة إلى الأكثر احتياجا".
وتضيف أن الفكرة الأساسية هي تمكين النساء، مشيرة إلى الدعم اللوجستي الذي قدمته مؤسسة "بديل" بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وتحت إشراف السلطة المحلية في مديرية صيرة.
وتلفت إلى أن البائعات ما زلن يواجهن تحديات تشمل محدودية الموارد وضعف التسويق والحاجة إلى تطوير البنية التحتية إضافة إلى ضرورة ضمان استمرارية الدعم المؤسسي، مؤكدة أن استدامة المشروع مرتبطة بانتعاش السوق المحلي عموما.
وللسوق صفحة رسمية على منصة فيسبوك تستخدم لتسويق منتجات البائعات والترويج لأنشطته، بما في ذلك الفعاليات المقامة داخله، كما تتيح تواصلا مباشرا مع الزبائن يعزز الحضور الرقمي ويرفع فرص البيع والتفاعل مع المجتمع.
مساحة آمنة للعمل خارج جدران البيت
اجتماعيا، يبدو أن السوق نجح في كسر حاجز غير مرئي طالما قيّد مشاركة كثير من النساء في العمل العام، تقول إحدى المشاركات إن أسرتها كانت مترددة في البداية، "لكن وجود سوق مخصص للنساء طمأنهم". ويبرز هذا البعد بوصفه عنصرا لا يقل أهمية عن العائد الاقتصادي، إذ يوفر المكان بيئة عمل تراها كثير من الأسر أكثر ملاءمة وأمانا لبناتها.
افتِهان عبد الله، زبونة جاءت لشراء بعض العطور، تقول إن السوق "أعطى النساء فرصة يعتمدن فيها على أنفسهن"، مضيفة أن الأسعار "مناسبة مقارنة ببعض المحال الأخرى".
من جهتها، ترى غيداء الناخبي، وهي ناشطة اجتماعية في عدن، أن مثل هذه المبادرات تمثل استجابة ذكية لواقع البطالة المتزايدة بين النساء، لكنها تحتاج إلى ما هو أبعد من توفير المساحة المادية.
وتوضح: "المشكلة ليست في قدرة النساء على الإنتاج، بل في ضعف الطلب العام"، معتبرة أن استدامة التجربة مرهونة بتحسّن القدرة الشرائية، وتوفير تسهيلات تمويل صغيرة، ودعم تسويقي أوسع.
وتضيف أن نجاح السوق لا يقاس فقط بحجم الأرباح، بل بمدى انتقال النساء من العمل غير الرسمي داخل المنازل إلى نشاط تجاري منظم يمنحهن خبرة وشبكة علاقات أوسع.
بعد أكثر من شهرين على افتتاح السوق، تبدو الصورة مركبة: بعض البائعات يتحدثن عن تحسن في دخلهن وثقتهن بأنفسهن، وأخريات يشكين من بطء المبيعات. فالتجربة ليست حلا سحريا لأزمة اقتصادية عميقة، لكنها أيضا ليست مجرد عنوان احتفالي.
ومع اقتراب موعد الإغلاق اليومي، تخف الحركة في الممرات وتبدأ البائعات بجمع بضائعهن. تقول جميلة محمد، بائعة بهارات مسنّة، للجزيرة نت وهي تطفئ الأنوار داخل كشكها الصغير: "حتى لو كان الربح بسيطا، يكفيني أنني أعمل باسمي".
في مدينة أنهكتها الأزمات وتقلصت فيها فرص العمل، يظل هذا السوق نافذة صغيرة للأمل، قد لا يغير معادلات الاقتصاد الكلي، لكنه يفتح مساحة لتجربة نسائية مختلفة، تختبر فيها النساء قدرتهن على صناعة فرصة في زمن الحرب والأزمات.
المصدر: الجزيرة نت








