بقلم: خالد الشودري
في عدن، لا يشبه خبر القبض على قتلة الدكتور عبدالرحمن الشاعر أي خبر آخر. ليس لأنه ينهي جريمة، بل لأنه—لأول مرة منذ سنوات—يهدد بكشف القصة التي كانت تُروى دائمًا نصفها فقط: الرصاصة دون من أطلقها، والجثة دون من أمر بها.
لأكثر من عقد، تحولت الاغتيالات في عدن إلى لغة سياسية موازية. لغة بلا بيانات رسمية، بلا توقيع، لكن آثارها كانت أوضح من أي خطاب: إسكات، تصفية، إعادة ترتيب للمشهد بالقوة. كانت المدينة تعرف أن هناك من يقتل… لكنها لا تعرف من يحكم.
اليوم، إذا صحّ خبر القبض على القتلة، فنحن أمام لحظة اختبار لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها. لأن العدالة في عدن لم تكن يومًا غائبة فقط، بل كانت مؤجلة عمدًا. والفرق بين التأجيل والتغييب… هو الفرق بين دولة ضعيفة ودولة متواطئة.
القبض على المنفذين يطرح سؤالًا أكبر من أسمائهم:
هل نحن أمام نهاية حلقة… أم بداية خيط؟
في التجارب المشابهة، كثيرًا ما يُقدَّم القاتل كـ“نهاية القصة”، بينما هو في الحقيقة مجرد أداتها الأخيرة. القاتل يعرف الطريق، لكن من رسمه؟ يعرف الهدف، لكن من حدده؟ يعرف التوقيت، لكن من قرره؟
هنا تبدأ السياسة… وهنا تختفي الحقيقة غالبًا.
عدن لا تحتاج إلى استعراض أمني عابر، بل إلى سابقة عدلية كاملة. قضية واحدة فقط تُفتح حتى النهاية: من التخطيط إلى التنفيذ، من التمويل إلى الحماية. لأن أخطر ما في الاغتيالات ليس تكرارها، بل اعتياد الناس عليها، حتى تصبح القسوة أمرًا طبيعيًا، والدم رقمًا في إحصائية.
الشارع العدني لن يصفق بسهولة. لقد خُذل كثيرًا.
يريد أن يرى شيئًا مختلفًا هذه المرة:
ملفًا لا يُغلق فجأة،
أسماءً لا تُخفى،
وشبكات لا تُحمى.
لأن الحقيقة البسيطة التي يعرفها الجميع، ولم تُكتب رسميًا بعد، هي أن الاغتيالات لم تكن يومًا فعل أفراد… بل فعل بيئة سمحت بها، وربما احتاجتها.
وإن كان القبض على قتلة الشاعر خطوة، فهي خطوة خطيرة.
خطيرة لأنها قد تفتح أبوابًا لا يريد أحد فتحها.
وقد تقترب من مناطق نفوذ تعيش على بقاء الحقيقة معلقة.
وقد تضع العدالة لأول مرة في مواجهة السياسة، لا في خدمتها.
السؤال الآن ليس: هل أُلقي القبض على القتلة؟
بل: هل ستُترك العدالة لتكمل طريقها؟
في مدينة قُتل فيها الناس مرتين—مرة بالرصاص ومرة بالصمت.
قد يكون القبض على القتلة هو كسر الصمت الأول…
لكن كسر الصمت الكامل،
هو حين لا ينجو من أمر،
ولا يُحمى من خطط،
ولا يُدفن الملف… قبل أن يقول كل شيء.
رحم الله الدكتور الشاعر وجميع ضحايا الاغتيالات.
#اغتيالات_عدن







