بقلم: سامي الكاف
في اعتقادي أن الوطن، في معناه العميق، ليس مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا سلطة تحتكر تعريفه وفق مصالحها الآنية، بل هو المجال الذي يشعر فيه الإنسان أن كرامته مصونة، وصوته معتبر، ومستقبله غير مرهون بمزاج فرد أو جماعة.
الوطن هو عقد معنوي قبل أن يكون إطاراً جغرافياً؛ مساحة يتساوى فيها المختلفون أمام القانون، وتنتظم فيها المصالح عبر قواعد عادلة لا عبر موازين القوة.
وعليه؛ فإن مقولة “الوطن يتسع للجميع” لا تصبح قابلة للتطبيق بالشعارات، بل بإعادة تعريف الوطنية ذاتها بوصفها انتماءً للمؤسسات لا للأشخاص، وللقيم لا للولاءات الضيقة.
فحين يتحول الوطن إلى ملكية رمزية لفئة بعينها، يفقد جوهره الجامع، ويغدو ساحة نزاع على الاسم لا على المعنى. أما حين يُفهم بوصفه بيتاً مشتركاً، فإن الاختلاف داخله لا يعود تهديداً، بل يصبح أحد مصادر حيويته وقدرته على الاستمرار.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: لقد أخطأت تجارب كثيرة حين تصورت أن "الوحدة" نقيض "التعدد"، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا بإذابة الفوارق أو إسكات الأصوات المتباينة.
بيد أن التجربة الإنسانية تعلمنا أن الصمت المفروض قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يصنع سلاماً دائماً.
الوحدة الحقيقية لا تقوم على محو التنوع، بل على "إدارته" ضمن "قواعد عادلة" تضمن المشاركة والاعتراف المتبادل.
في اليمن، كما في غيره، كانت الأزمات تتفاقم كلما جرى التعامل مع الاختلاف بوصفه خصومة وجودية، لا حقيقة اجتماعية وسياسية ينبغي تنظيمها.
فالتعدد لا يعني الفوضى، كما يروّج بعض الخطاب، بل يعني أن المركز السياسي يتشكل بالتوافق لا بالمصادرة، وأن القرار يكتسب شرعيته من المشاركة لا من التغلب. أما الفوضى، فهي غالباً نتيجة إنكار التنوع ودفع مكوناته إلى العمل خارج الإطار المؤسسي. لذلك فإن إدارة التعدد ليست عبئاً على الدولة، بل شرطاً من شروط إمكانها.
ومن أخطر ما أضعف المجال السياسي في اليمن الانسياق وراء الفرد وتعظيمه حتى يبدو كأنه المخلّص الوحيد، أو “الواحد الأحد” الذي تختصر فيه الدولة وتُختزل فيه الجماعة.
هذه الذهنية لا تنتج دولة، لأنها تستبدل المؤسسات بالأمزجة، وتستبدل المعايير بالولاء، وتفتح الباب واسعاً أمام الإقصاء والتهميش.
وحين تُمنح المسؤوليات العامة على أساس القرب لا الكفاءة، وتُستبعد العقول لصالح المصفقين، فإن الأزمة لا تعود حادثاً عابراً، بل تصبح بنية متكررة تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة.
إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب طموح الطامعين، بل أيضاً بسبب استعداد البعض لمنحهم الشرعية والفرصة والمساحة.
تتجلى هنا حكمة المثل الشعبي: ليست المشكلة في من استغل الباب المفتوح، بل فيمن تركه مفتوحاً. ومن دون نقد هذه الثقافة، سيظل كل تغيير شكلياً، لأن الأدوات التي صنعت الإخفاق "ستظل حاضرة لإعادة إنتاجه".
جعل الوطن متسعاً للجميع يبدأ من الاعتراف بأن أحداً لا يملك حق الوصاية عليه، ولا امتيازاً تاريخياً أو سلالياً يمنحه أحقية دائمة بالحكم أو احتكار الوطنية.
الوطن لا يُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة؛ ولا يُحمى بالتخوين، بل ببناء الثقة العامة. وهذا يقتضي مراجعة صريحة لجذور الأخطاء، ومساءلة من مهدوا للإقصاء كما من مارسوه، لأن الصمت عن الخلل مشاركة فيه. كما يقتضي تأسيس إدارة عامة تحترم الكفاءة، وقضاءً يحمي الحقوق، ونظاماً سياسياً يضمن تداول السلطة وتمثيل المكونات كافة دون استثناء. عندئذ فقط تصبح عبارة “الوطن يتسع للجميع” أكثر من أمنية أخلاقية؛ تصبح قاعدة عمل سياسي.
أما إذا استمر احتكار القرار وإعادة تدوير الفشل، فإن الشعار سيتحول إلى مجرد زينة لغوية تخفي تحتها صراعاً مؤجلاً، سرعان ما يعود إلى الواجهة في صورة أشد قسوة واتساعاً.







