أمين بارفيد
لم تكن السنوات العشر الماضية مجرد فاصل زمني في التاريخ اليمني المأزوم، بل كانت مختبراً حياً وقاسياً لكشف حقيقة الشعارات وسقوط الأوهام. لقد بُذلت وعود براقة بتأسيس "فردوس قادم" على أنقاض الدولة ومؤسساتها، ليصحو الجميع على كابوس مرعب من التشظي وحكم المليشيات.
واليوم، تطل ذكرى الوحدة اليمنية لا كمجرد مناسبة احتفالية أو محطة للبكاء على الأطلال، بل كـ"محاكمة تاريخية" تضع وهم الخلاص عبر الانفصال وجهاً لوجه أمام حقيقة دامغة تمزيق اليمن لا يولد دُوَلاً، بل يُنتج عصابات متناحرة ومشاريع مرتهنة.
لقد كانت العشرية الماضية كفيلة بكشف حقيقة المغامرة بملف الانفصال؛ فالتجربة التي قُدمت في عدن والجنوب لم تكن سوى نموذج صادم لواقع ما بعد الانفصال.
لقد تبخرت وعود بناء "المؤسسات" لتحل محلها عصبيات مناطقية مقيتة، وتتحول مقدرات البلاد والوظيفة العامة إلى غنائم تُوزع في دوائر ضيقة، وسط إقصاء وتخوين لكل صوت يغرد خارج السرب. كانت عشرية مثقلة بالاغتيالات، والفوضى، والسجون السرية التي أعادت للواجهة أسوأ مخاوف التشطير.
ولم يقف ثمن هذه المغامرة عند حدود الانتهاكات، بل ضرب عمق السيادة والاقتصاد. فقد عُطّلت المنشآت الإيرادية، وتحولت الموانئ والمواقع الاستراتيجية الحساسة إلى مجرد ساحات مفتوحة للإملاءات الخارجية، في استلاب كامل للقرار المحلي والجغرافيا.
وكأن التاريخ يعيد نفسه بأسوأ نسخه، لم يستوعب رواد هذا المشروع دروس الماضي القريب. فبالأمس، استورد "المشروع الجنوبي" النظرية الاشتراكية وتبناها بتطرف أعمى، ليعزل البلاد عن محيطها العروبي ويغرقها في حروب عبثية متعددة مع جيرانها. وبذات العقلية، كرر هذا المشروع أخطاءه في هذه العشرية السوداء، ولكن بخطيئة أشد فداحة؛ إذ كاد أن يرتمي في حضن الصهيونية تحت غطاء التحالف مع الإمارات.
ولولا التدخل الحاسم للشرعية، مسنودةً بثقل وتنسيق مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، لوضع حدٍ لتكرار هذا السيناريو الكارثي، لتحولت المحافظات الجنوبية والشرقية إلى مسرح متقدم للمشروع الإسرائيلي، وخنجر مسموم في خاصرة الجزيرة العربية.
اليوم، وأمام تراجع هذا المشروع وانكشاف هشاشته وارتهانه، تتجلى رسالة الوحدة واضحة وصارمة: أخطاء الوحدة، على فداحتها، لا تُعالج بتفكيك الدولة، بل بإصلاح مسارها.
إن الحقيقة الراسخة التي أفرزتها سنوات الألم هي أن الوحدة ليست مجرد ذكرى عابرة، بل تمثل بصيغتها الإتحادية اليوم سياج اليمنيين الأخير، وطوق نجاتهم من الانزلاق في أتون العصبويات ودورات الصراع العبثية. فالمسير خلف سراب الانفصال لن يمنحنا "دولتين" كما يُسوق له، بل سيقذف باليمن بأكمله في مهب "كانتونات" متفرقة، وممزقة، ومتناحرة إلى ما لا نهاية. الخلاص الوحيد يكمن في دولة مؤسسات اتحادية تشاركية تتسع للجميع، وتحمي الجغرافيا، وتستعيد القرار الوطني.







