بلادي نت_فؤاد مسعد_خاص
احتلت قضية الوحدة اليمنية صدارة القضايا الوطنية، وارتبطت لدى القوي السياسية المعارضة للاستعمار والإمامة، بالنضال الوطني والعمل الثوري شمالاً ضد الحكم الإمامي، وجنوباً ضد الاستعمار الأجنبي.
وظلت القوى اليمنية ترفض واقع التجزئة والتشطير الذي فرضه الاستعمار البريطاني ليضمن سيطرته على الجزء المحتل في الجنوب، ووافق عليه نظام الإمامة عجزاً وضعفاً وحرصاً على السلطة، حتى لو كانت منقوصة.
وطوال النصف الثاني من القرن العشرين كان الموقف من وحدة اليمن معيار وطنية ونزاهة وانتماء كل قوة سياسية تظهر على الساحة شمالاً وجنوباً، وتلاشت واضمحلت كل القوى والتنظيمات التي لم تتبنّ الوحدة أو وقفت ضدها.
ولقد حاول الاستعمار جاهدا ترسيخ التجزئة بكل ما أوتي من قوة وإمكانات، وتماهت معه بعض القوى الطامعة في الحصول على سلطات رمزية وامتيازات مادية، بيد أن صعود قوى الثورة وحركات التحرر الوطني محلياً وعربياً بأفكارها القومية الوحدوية ونزعتها الوطنية الثورية ضد الاستعمار الأجنبي وسياسته التي تقوم على قاعدة (فرّق تسُدْ).
ومع انطلاق الثورة اليمنية شمالاً عام 1962 وجنوباً 1963، كانت الوحدة حاضرة بقوة لدى غالبية القوى والمكونات، غير أن نشوب الصراعات الداخلية بعد الثورة مباشرة، والتناقض الأيديولوجي بين القوى الثورية الحاكمة فرضا تحديات جديدة، تراجع معها العمل لأجل تحقيق الوحدة اليمنية، بيد أنها لم تغب طويلاً عن أجندة الحكام والقوى السياسية، فسرعان ما حضرت مطلع السبعينيات عقب مواجهة عسكرية نشبت على الحدود بين شطري اليمن، انتهت بانتصار جزئي للجنوب، وتدخلت دول عربية في العمل على جمع الشمال والجنوب، فكانت مفاوضات القاهرة وطرابلس- ليبيا، التي أسفر عنها الاتفاق على الهدنة وإقامة الوحدة مستقبلاً، وكان الجنوب أكثر إلحاحا في طرح القضية، حيث كانت الجبهة القومية التي تحكم الجنوب تدعو إلى الوحدة، وكان حكام صنعاء يدعون إلى الوحدة أيضا، مع تحفظ بعض رموز التيار القبلي على الاتفاق مع حكام الجنوب، وهو التحفظ الذي أنهاه الرئيس عبدالرحمن الإرياني، عقب التوقيع على اتفاق القاهرة بقوله لكبار مسؤولي الدولة في صنعاء: الوحدة اليمنية هدف تاريخي ولا يمكن رفضه، أما الاتفاقيات فيمكن تعديلها في أي وقت".
وفي عقد السبعينيات تواصلت اللقاءات الثنائية بين الطرفين الحاكمين وعقدت الاتفاقيات بشأن تحقيق الوحدة، ومن أبرز تلك الاتفاقيات:
• اتفاقية القاهرة أكتوبر/تشرين أول 1972.
• بيان طرابلس، نوفمبر/تشرين ثان 1972.
• لقاء الجزائر، سبتمبر/أيلول 1973.
• لقاء تعز- الحديدة، نوفمبر/تشرين 1973.
• لقاء قعطبة، فبراير/شباط 1977.
• بيان الكويت، مارس/آذار 1979.
وكان التوافق يتم على أن "تذوب الشخصية الدولية لكل من الدولتين في كيان دولي واحد، وقيام دولة يمنية واحدة"، كما نصت على ذلك اتفاقية القاهرة، ومع ذلك استمر كل طرف يعمل على تطبيق الوحدة وفق رؤيته الخاصة، وبدأ كل طرف يدعم حرب العصابات ضد الطرف الآخر، فقد دعم الشمال الجنوبيين الذين خسروا المواجهات مع الجبهة القومية في وقت سابق، ليقوموا بشن حرب عصابات داخل المناطق الجنوبية استطاع النظام القضاء عليها سريعاً، وكذلك دعم الجنوب عناصر اليسار الشماليين لشن حرب عصابات ماثلة في المحافظات الشمالية، وكان الشمال أكثر تضرراً من هذا الصراع، لأن اليساريين المدعومين من حكام الجنوب كانوا أكثر خبرة وتنظيما، بينما كانت مؤسسات الدولة في الشمال وفي مقدمتها الجيش تعاني الضعف والاختراق من تيارات معارضة أبرزها تيار اليسار نفسه، وظهرت الأحزاب اليسارية في الشمال أكثر تنظيما في العام 1976 عندما شكلت في عدن (الجبهة الوطنية الديمقراطية)، بهدف إسقاط نظام الشمال وتحقيق الوحدة اليمنية.
وفي الثمانينيات تواصلت اللقاءات بين القيادتين بعدما تم الاتفاق على إيقاف دعم الأعمال المعادية من الطرفين داخل كل شطر، وشهد الشمال بعض الاستقرار فيما استمرت الصراعات داخل أجنحة الحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب، حتى كانت اتفاقية 30 نوفمبر عام 1989، وتلاها التوقيع النهائي على الوحدة بصيغتها الأخيرة التي أعلنت في 22 مايو 1990، بذوبان الشخصية الدولية لكل من الدولتين، وقيام الجمهورية اليمنية.







