الأوطان لا تضيع فجأة، بل تضيع حين تضيع البوصلة التي تهدي أبناءها إلى الطريق الصحيح. وما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل نتيجة مسار طويل من الانحراف عن الفكرة التي كانت يوماً تجمعنا: أن الوطن هو القضية، وأن السيادة هي الغاية.
قبل عقود، كان مجتمعنا يعرف معنى التعايش وقيمة التنوع الثقافي والعرقي والعقائدي. ورغم وجود الاستعمار آنذاك، كانت الصورة أكثر وضوحاً؛ كان العدو معروفاً، وكانت إرادة مقاومته مبدأً يجمع الناس ويوحّد صفوفهم. لم يكن الصراع بين أبناء البلد الواحد، بل كان موجهاً نحو من ينتقص من حريتهم وسيادتهم.
لكن التحول الخطير بدأ عندما تبدلت هذه المعادلة. حين بدأ بعضنا يرى في المختلف عنه خصماً، وحين تحولت التحالفات الخارجية من وسيلة لمواجهة الاستعمار إلى وسيلة للانتصار على الشريك في الوطن. منذ تلك اللحظة بدأت البوصلة تنحرف، وبدأت الصراعات الداخلية تحل محل المعركة الحقيقية.
ومع كل جولة من هذه الصراعات كنا نخسر أكثر مما نربح. لم تعد المعارك تدور حول مستقبل الوطن أو مصلحة المجتمع، بل حول النفوذ والهيمنة والانتصار الذاتي. ومع مرور الوقت تحولت القوى المحلية إلى أطراف تبحث عن الدعم الخارجي لتقوية موقعها في مواجهة خصومها الداخليين، حتى أصبح الخارج عاملاً حاسماً في تقرير مصائر الداخل.
هنا تكمن المعضلة الكبرى. فحين يصبح رضا الخارج معيار القوة، تفقد السياسة معناها الوطني. ومن يحظى بالدعم يُمنح أسباب النفوذ، ومن يخسره يُقصى ويُهزم. في مثل هذا الواقع لا يعود معيار النصر خدمة الوطن، بل القدرة على كسب رعاية القوى المؤثرة في الخارج.
الأكثر إيلاماً أن بعض من خسروا في هذه المعادلة لا يعيدون النظر في أصل المشكلة، بل يكتفون بالشكوى لأنهم فقدوا موقعهم في مشاريع لم تكن يوماً مشاريع وطنية. وكأن المأساة ليست في ارتهان القرار الوطني، بل في سوء إدارة ذلك الارتهان.
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام دولة مثقلة بتاريخ من الصراعات الداخلية، والانتهاكات، وتصفية الخصوم، حيث يطارد نصفها نصفها الآخر، بينما تُرفع شعارات الولاء لهذا الطرف الخارجي أو ذاك. في مثل هذا المشهد تغيب فكرة الوطن، وتتحول السياسة إلى صراع نفوذ لا نهاية له.
لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لفقدان البوصلة. فحين تتحول معركة الوطن إلى معركة بين أبنائه، وحين يصبح الخارج حكماً بينهم، تضيع السيادة وتتآكل الكرامة الوطنية.
إن الطريق إلى استعادة الوطن لا يبدأ من شعارات جديدة، ولا من تحالفات عابرة، بل من استعادة المبدأ البسيط الذي كان يجمعنا: أن الوطن أكبر من خلافاتنا، وأن معركتنا الحقيقية ليست مع بعضنا البعض، بل مع كل ما ينتقص من سيادتنا وإرادتنا.
فإذا لم نعد إلى هذه الحقيقة، سنظل ندور في الحلقة نفسها، وستبقى الصراعات تتجدد، بينما يستمر الوطن في دفع ثمن أخطاء أبنائه. أما إذا استعدنا البوصلة، فربما يكون ذلك بداية الطريق لاستعادة الوطن نفسه.







