بقلم: أمين بارفيد
لم تكن أحداث الشغب التي شهدتها مدينة المكلا بساحل حضرموت يوم السبت مجرد حراك شعبي عفوي، بل تجسيداً واضحاً لمسار تصادمي تقوده الإمارات عبر وكلائها المحليين. فعلى الرغم من التحذيرات الاستباقية الصارمة التي أطلقتها السلطة المحلية واللجنة الأمنية بحضرموت لمنع أي تجمعات غير مرخصة، أصرّ “المجلس الانتقالي” (المنحل) على الدفع بأنصاره نحو الشارع، في خطوة تبدو في ظاهرها احتجاجاً سياسياً، لكنها في جوهرها تحمل بصمات إماراتية واضحة تهدف إلى إغراق المحافظة في أتون الفوضى، وتوجيه رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود الجغرافيا الحضرمية لتستهدف الدور السعودي بشكل مباشر.
ما حدث في شوارع المكلا يكشف عن مؤامرة ممنهجة لزعزعة الاستقرار، اعتمدت على مخطط خطير يتنافى مع أبجديات العمل السياسي السلمي، السلطات الأمنية أكدت رصدها لانخراط عناصر مسلحة بلباس مدني بادرت بإطلاق النار على قوات النخبة الحضرمية ، وهو ما يمثل محاولة متعمدة لجر المدينة إلى مربع العنف والدم.
الأخطر من ذلك هو اللجوء إلى التمترس بالمدنيين، وتحديداً الدفع بصغار السن إلى الصفوف الأمامية في مواجهة الأجهزة الأمنية؛ وهو سلوك يعكس استهتاراً بالغاً بأرواح الأبرياء، واستغلالاً لحماس الشباب بغية اختلاق مظلومية سياسية تُسفك من أجلها الدماء وتُمرر عبرها الأجندات.
إن القراءة المتأنية لخلفيات التظاهرة وطبيعة المشاركين فيها تزيل أي لبس حول الجهة الحقيقية التي تحرك خيوط الأزمة وتمولها. وتبرز البصمات الإماراتية في هذه الأحداث عبر عدة مؤشرات ودلائل ميدانية وسياسية. فلم تكن التظاهرة تعبيراً خالصاً عن إرادة أبناء حضرموت، بل شهدت استقداماً لأشخاص من خارج المحافظة لتضخيم الحدث. ولعل تصدّر قيادات من خارج النسيج الحضرمي للمشهد—مثل القيادي في الانتقالي “يحيى الجوعبي الشعيبي” الضالعي —يؤكد أن الحدث مفروض على المحافظة من الخارج.
تتكشف خيوط المؤامرة بوضوح من خلال شخصية “علي الجفري”، القائم بأعمال رئاسة الانتقالي بساحل حضرموت، الذي قاد التظاهرة. الجفري، الذي ظهر له تسريب صوتي اليوم يوجه أنصاره للصدام المباشر بأسلوب “الكر والفر” مع قوات النخبة الحضرمية، هو نفسه مسؤول في “الهلال الأحمر الإماراتي” بحضرموت. هذا الارتباط المباشر يعيد للأذهان أحداث ديسمبر إبان طرد قوات الانتقالي الغازية من حضرموت ، حيث عرضت وسائل إعلام سعودية أسلحة إماراتية عُثر عليها في مقر الهلال الأحمر الاماراتي ، مما يؤكد تحويل الكيانات الإنسانية إلى غطاء للعمليات الاستخباراتية والعسكرية كما ظهر قبلها على متن مدرعة عسكرية في سيئون اثناء سيطرة قوات الانتقالي على وادي حضرموت قبل طردها.
إن إصرار المشاركين على رفع صور عيدروس الزبيدي في قلب المكلا، ليس إلا إعلاناً صريحاً عن التبعية المطلقة لأبوظبي، وتأكيداً على أن هذا الحراك لا يخدم مصالح حضرموت، بل يخدم مشروعاً انفصالياً ممولاً من الخارج. ولا يمكن فصل أحداث المكلا عن التحولات الكبرى التي تشهدها المحافظة واليمن عموماً. فالإمارات تسعى من خلال تمويل هذه الفوضى، إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
▪︎ عقاب حضرموت على إنهاء النفوذ الإماراتي فبعد سنوات طويلة من السيطرة، تحاول أبوظبي إيصال رسالة انتقامية مفادها أن “البديل عن وجودنا هو الفوضى”. وهي محاولة يائسة للرد على خروجها “المذل” من حضرموت ، عبر تحويل ساحل المحافظة إلى بؤرة للتوتر المستدام.
▪︎ الهدف الثاني استهداف وإفشال الجهود السعودية، فأبوظبي تدرك أن استقرار حضرموت يمثل نجاحاً للدور السعودي الساعي إلى تمكين مؤسسات الدولة وإحلال السلام والأمن. لذا، فإن تصدير الفوضى إلى المكلا ، هو محاولة مباشرة للقول إن الرياض ستجلب معها “الخراب والاضطراب”. هي حرب وكالة وفوضى يجري تصديرها إلى شوارع المكلا لتقويض نموذج الاستقرار الذي تحاول السعودية إرساءه.
إن ما جرى اليوم في المكلا ليس حراكاً مطلبياً، بل “هجوم ارتدادي” تنفذه أدوات محلية بأموال وتوجيهات إماراتية. و الحزم الذي أبدته السلطة المحلية واللجنة الأمنية في حضرموت يمثل خط الدفاع الأول عن سيادة المحافظة واستقرارها. وبات لزاماً على المجتمع الحضرمي بكل أطيافه الوعي بحجم المخطط الذي يستهدف أمنهم، والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساتهم الشرعية لقطع الطريق على تجار الحروب، وإفشال المساعي الإقليمية التي تريد تحويل حضرموت إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية على حساب دماء أبنائها.







