بقلم: أحمد ناصر حميدان
هذا قدرنا في هذا البلد، جنوبا وشمالا؛ كلما تعلّق الناس بأمل التغيير، جاءت سلطة جديدة لا لتصنع تحولا حقيقيا، بل لتعيد إنتاج الأنظمة السابقة بأدوات مختلفة. المشكلة ليست في الأسماء، بل في المنابع التي تأتي منها هذه السلطات، فهي في الغالب تخرج من نفس البيئة، وتحمل نفس الذهنية، ولذلك لا جديد يذكر، إلا فيما ندر، وغالبا ما يكون بلا أثر حقيقي.
في لحظات مفصلية، تعشم الناس خيرا، خاصة عندما تشكلت سلطة من حالة رفض لمحاولة فرض أمر واقع بالقوة الجبرية، وتحدي الدولة والمعاهدات التي وضعت لحمايتها من الانهيار. بدا وكأن هناك فرصة لوضع حد لسطوة القوة وفرض الإرادة بالقوة. لكن ما حدث لاحقا أثبت أن الأدوات قد تتغير، بينما تبقى العقلية كما هي، وتستمر القوة الجبرية بوسائل مختلفة، تحت عناوين قد تبدو مشروعة، لكنها في التطبيق تفضي إلى نتائج عكسية.
النهج ذاته يتكرر في إدارة الشأن العام. قرارات ارتجالية، ومنع دون معالجة، وحلول لا تصمد طويلا، بل سرعان ما يتم التراجع عنها أو تجاوزها من قبل نفس السلطة التي أصدرتها، دون اعتبار حقيقي لحقوق المواطنين أو خسائرهم. ما جرى مع الدراجات النارية مثال واضح: إجراءات تحت شعار مكافحة الإرهاب، دون قدرة على تنظيم البدائل، انتهت بملاحقة الشباب ومصادرة ممتلكاتهم وتكديسها، في صورة تعكس خللا في الفهم قبل أن تكون خللا في التنفيذ.
واليوم يتكرر المشهد مع إغلاق محطات تحويل السيارات للغاز، في ظل عجز مؤسسي واضح عن إدارة أزمة الطاقة. بدلا من معالجة جذور المشكلة، يتم اللجوء إلى المنع كخيار أسهل، وكأن إدارة الأزمات تعني تضييق الخيارات أمام الناس، لا توسيعها.
جوهر المشكلة أعمق من قرارات متفرقة. نحن أمام عقلية سلطة تعيد إنتاج نفسها، محملة بإرث الماضي، ومرتهنة لأفكار وتجارب من سبقوها. سلطة تفرز الناس على أساس الولاء والرضا، لا على أساس الكفاءة والمصلحة العامة، فتتحول إلى سلطة مرتهنة، عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل يصنع فرقا حقيقيا.
أحلام الناس تتبدد أيضا لأن هذه السلطة لا تنبع من أوساط المجتمع، بل من دوائر مغلقة شكلتها الأحزاب ومراكز النفوذ وشيوخ السلطة، وهي ذات الأدوات التي تم اختبارها سابقا. ومع ذلك، يتم إعادة تدويرها لنفس الهدف: منع أي تغيير جوهري، والإبقاء على البلد في دائرة الأزمات، ينتقل من أزمة إلى أخرى أشد منها.
بهذا المعنى، لا تعود الأزمات مجرد نتيجة للفشل، بل تتحول إلى نمط إدارة قائم بذاته؛ سلطة تصنع الأزمات، وتقيّد العقول والآراء، وتجمّد الحياة السياسية والثقافية، حتى يبقى الوطن في حالة ارتهان دائم.
إن الخروج من هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بإعادة تجميل القديم، أو تغيير الواجهات فقط. المطلوب هو تغيير حقيقي في منبع السلطة وعقليتها، تغيير يقوم على التجديد لا على إعادة الإنتاج، وعلى بناء مؤسسات تعبّر عن المجتمع لا عن دوائر النفوذ.
وحتى يحدث ذلك، سيظل البلد يدور في نفس الحلقة، وتبقى الآمال مؤجلة، والوطن مرتهنا.







