بقلم: سامي الكاف
أتصور ثمة صعوبة حقيقية في مقاربة حضرموت بوصفها مجرد إقليم جغرافي أو وحدة إدارية ضمن كيان مضطرب؛ إذ ان ما تمثّله يتجاوز ذلك إلى كونها تجربة إنسانية متراكمة، تبلورت عبر زمن طويل من التفاعل الهادئ بين الإنسان ومحيطه.
في هذا التراكم، لا تتقدّم الأحداث بوصفها المحدد الأهم، بل تتراجع لصالح بنية أعمق من القيم التي أعادت تشكيل الوعي الجمعي على نحو يجعل من التوازن حالة أصيلة لا طارئة.
ومن ثم، فإن قراءة حضرموت بوصفها "حال وعي" تتيح فهماً مختلفاً لطبيعة استقرارها النسبي، حيث لا يُفسَّر هذا الاستقرار بالعزلة أو الانكفاء، بل في اعتقادي بقدرة المجتمع على إنتاج معنى خاص للاجتماع الإنساني، معنى يقوم على ترسيخ السلم كخيار بنيوي يتجاوز كونه مجرد أداة لتفادي الصراع (يمكنكم معرفة المزيد عن هذا الأمر من خلال مطالعة مقالي في "إندبندنت عربية" بعنوان: "حضرموت اختبار مفتوح لاستعادة الدولة الوطنية").
هذا السلم، في السياق الحضرمي، لا يمكن اختزاله في خطاب سياسي يُستدعى عند الحاجة، ولا في شعارات ظرفية تُرفع تحت ضغط اللحظة، بل هو في تقديري تعبير عن بنية أخلاقية متماسكة تشكّلت عبر قرون، حيث تداخلت الخبرة التاريخية مع شروط البيئة لتنتج وعياً يرى في الاستقرار ضرورة وجودية لا ترفاً سياسياً.
ولهذا تحديداً، لم يكن انكفاء المجتمع الحضرمي عن العنف تعبيراً عن ضعف، بل عن إدراك عميق لكلفة الانخراط في دوائره. وهو ما يفسّر قدرته على مقاومة الانجرار إلى الفوضى حتى في اللحظات التي انهارت فيها أنماط التوازن في محيطه، إذ ظلّ محتفظاً بقدر من الاتساق الداخلي الذي مكّنه من إدارة تناقضاته دون أن تتحول إلى صراع مفتوح.
بيد أن هذه الخصوصية ذاتها هي ما يضع حضرموت اليوم في قلب استهداف يتجاوز حدودها المحلية؛ فمحاولات فرض سلطة أمر واقع بقوة السلاح كما فعل المجلس الانتقالي الجنوبي لا تعكس فقط صراع نفوذ، بل تكشف في اعتقادي عن تناقض أعمق بين نموذجين: أحدهما يرى في الاستقرار شرطاً لإمكان الدولة، والآخر يوظّف الفوضى كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع.
وفي هذا السياق، تغدو حضرموت أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ إنها تمثيل حي لإمكانية أن يوجد داخل اليمن نموذج مختلف، قادر على البقاء خارج منطق الانهيار الشامل.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، تنبع هنا خطورة اللحظة الراهنة، حيث لا تُختبر حضرموت في قدرتها على الصمود فحسب، بل في قدرتها على الحفاظ على معناها بوصفها فضاءاً قابلاً للحياة، وملاذاً لإمكانية البناء في بلد أنهكته الصراعات، دون أن تفقد في خضم ذلك جوهرها القائم على التوازن والوعي.







