سامي الكاف
أعتقد أن الخلاف داخل مؤسسات الشرعية حين يتحول إلى خطاب يطعن في الأساس الذي تستند إليه تلك المؤسسات، فإن الأزمة لا تعود مجرد تباين سياسي في الرؤى، بل تصبح أقرب إلى "أزمة وعي" بمعنى الدولة نفسها.
لاحظوا معي من فضلكم أن الدولة لا تُبنى على "إنكار" تناقضاتها و"تجاهل" تحدياتها، كما لا تُدار عبر تحويل الوقائع المؤلمة إلى مرافعة ضد فكرتها الجامعة.
ولهذا فإن خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي بمناسبة العيد الوطني الـ ٣٦ للجمهورية اليمنية ٢٢ مايو،
بدا أكثر اتزاناً ومسؤولية، لأنه لم ينكر المظالم، ولم يقفز على تعقيدات القضية الجنوبية، بل حاول مقاربة الأزمة بمنطق "الاعتراف" و"الإنصاف" و"الشراكة"، مع التمسك في الوقت ذاته بفكرة الدولة باعتبارها [الإطار الوحيد القادر على منع الانهيار الشامل].
أما الخطاب الذي صدر عن رئيس هيئة التشاور والمصالحة محمد الغيثي فقد تجاوز في تقديري حدود النقد السياسي إلى مستوى بدا فيه وكأنه ينزع المشروعية المعنوية عن خطاب الدولة نفسها، في لحظة يفترض فيها أن تكون مؤسسات الشرعية أكثر دراية وإدراكاً لخطورة التفكك لا أكثر مساهمة في تعميقه.
وعليه؛ فإن المسألة هنا لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها سجالاً إعلامياً عادياً يمكن تجاوزه أو تجاهله، بل باعتبارها اختباراً حقيقياً لمعنى "المسؤولية" داخل "بنية الشرعية اليمنية". فحين يصدر هذا النوع من الخطاب من رئيس هيئة أُنشئت أساساً لتعزيز التوافق وتقريب وجهات النظر، فإن الصمت المؤسسي يتحول بدوره إلى أزمة إضافية.
ولهذا سيتبدى منطقياً أن يقوم النواب الأربعة لرئيس هيئة التشاور والمصالحة بدعوة رئيس الهيئة لعقد "اجتماع طارئ" خلال مهلة عاجلة لا تتجاوز أسبوعاً، يناقش فيه مضمون هذا الخطاب وتداعياته السياسية، ورفع توصية واضحة بشأنه إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
أما إذا عجزت الهيئة عن ممارسة الحد الأدنى من الانضباط المؤسسي، فإن إعادة النظر في تركيبتها ورئاستها ستصبح ضرورة سياسية وحاجة ملحة، خصوصاً وأن التجربة منذ تشكيل الهيئة في 7 أبريل 2022 لم تُنتج أثراً وطنياً ملموساً يوازي حجم التحديات التي أُنشئت من أجلها.
لا تنسوا أن إعلان نقل السلطة نص على إنشاء (هيئة التشاور والمصالحة) لـ"دعم ومساندة مجلس القيادة الرئاسي والعمل على توحيد وجمع القوى الوطنية بما يعزز جهود مجلس القيادة الرئاسي وتهيئة الظروف المناسبة لوقف الاقتتال والصراعات بين كافة القوى والتوصل لسلام يحقق الأمن والاستقرار في كافة أنحاء الجمهورية".
في نهاية المطاف فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح أو الانقسام الجغرافي أو ارتفاع منسوب العداء المناطقي، بل تحوّل المؤسسات إلى مساحات لإعادة إنتاج التناقضات نفسها التي قادت إلى الانهيار.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا أن فكرة الدولة لا تقوم على تطابق الرؤى، بل على وجود مرجعية عليا تضبط الخلاف، وتديره بحكمة، وتحمي المجال العام من الانفجار.
ومن ثم فإن أي إصلاح جاد يقتضي إعادة تشكيل هيئة التشاور والمصالحة خلال مدة زمنية واضحة ومحددة، وفق معايير تستند إلى الكفاءة والقدرة والخبرة والنزاهة وعدم الجمع بينها والمناصب التنفيذية في الدولة، وقبل ذلك بما يتوافق مع نص وروح إعلان نقل السلطة الصادر في 7 أبريل 2022، لا باعتباره نصاً إجرائياً عادياً، بل بوصفه محاولة لإنقاذ ما تبقى من المعنى السياسي للدولة اليمنية.
فالدول - يا قوم - لا تسقط فقط حين تعجز عن مواجهة خصومها، بل تسقط أيضاً حين تفشل نخبها في إدراك الفارق بين "حرية التعبير" و"مسؤولية الموقع"، وبين النقد بوصفه أداة إصلاح، والخطاب الذي يتحول - من حيث يدري أو لا يدري - إلى مساهمة مباشرة في تقويض فكرة الدولة نفسها.







