بقلم: خالد الشودري
على مدى نحو عقد من الزمن، عاشت عدن تجربة استثنائية اتسمت بتعدد مراكز النفوذ وتداخل السلطات الأمنية والعسكرية والإدارية، في ظل ظروف الحرب والانقسام السياسي الذي شهدته البلاد. وخلال هذه السنوات، برز ملف الجبايات والإيرادات كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، ليس فقط بسبب حجم الأموال التي جرى تحصيلها، بل بسبب التساؤلات المستمرة حول مصير تلك الأموال ومدى انعكاسها على حياة المواطنين والخدمات العامة.
ففي الوقت الذي كانت فيه عدن تعاني من انهيار متواصل في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، كانت عشرات المنافذ والنقاط ومراكز التحصيل تعمل بصورة يومية على جمع الرسوم والإيرادات من مختلف الأنشطة التجارية والخدمية.
طوال سنوات العشرية السوداء التي شهدت انفوذا واسعا للمجلس الانتقالي المنحل في عدن، تحدثت تقارير صحفية ومنظمات عن جبايات بأرقام فلكية كانت تحصل شهريا بالمليارات، فُرضها المجلس الانتقالي المنحل على حركة البضائع والنقل والمشتقات النفطية، إضافة إلى رسوم في بعض النقاط الأمنية والعسكرية المنتشرة على الطرق الرئيسية. كما شهدت المحاكم والإعلام المحلي جدلاً واسعاً حول قانونية هذه الرسوم، خصوصاً تلك التي فُرضت على قطاع النقل الثقيل.
وقد انعكست هذه الجبايات بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ إن أي رسوم إضافية تُفرض على التاجر أو الناقل تنتهي في نهاية المطاف ضمن تكلفة السلعة التي يشتريها المواطن. وهكذا تحولت الجبايات إلى عامل إضافي ساهم في ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على سكان المدينة.
لكن السؤال الأهم الذي ظل مطروحاً طوال هذه السنوات هو: أين ذهبت تلك الأموال؟
فإذا كانت الجبايات فرضت بحجة دعم الأمن أو تمويل الخدمات أو تغطية النفقات التشغيلية، فمن الطبيعي أن يلمس المواطن تحسناً في مستوى الخدمات الأساسية.
غير أن الواقع كان مختلفاً؛ تماما، إذ شهدت عدن خلال تلك الفترة أسوأ أزمات الكهرباء في تاريخها الحديث، وتكررت الانقطاعات الطويلة، وتدهورت البنية التحتية، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، بينما بقيت شكاوى المواطنين تتصاعد عاماً بعد آخر.
ولعل المفارقة الأبرز أن المجلس الانتقالي المنحل الذي كان يملك نفوذاً واسعاً على الأرض وعلى عدد من المرافق الإيرادية، كان في الوقت نفسه يتصدر مشهد الاحتجاج على تردي الخدمات ويحمل الحكومة كامل المسؤولية عن الإخفاقات. وهذا لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها القانونية والدستورية، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مسؤوليته باعتباره من يدير المشهد الأمني والعسكري والإداري بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إن تجربة عدن خلال السنوات الماضية تؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الموارد، بل في طريقة إدارتها. فالموارد مهما بلغت لن تصنع تنمية حقيقية إذا غابت الرقابة والمحاسبة والشفافية. كما أن تعدد مراكز التحصيل خارج المنظومة المؤسسية للدولة يؤدي في النهاية إلى إضعاف المالية العامة وخلق اقتصاداً موازياً يصعب تتبع موارده أو مراقبة إنفاقه.
ولعل من أبرز التطورات التي أعادت هذا الملف إلى واجهة الاهتمام العام، ما أُثير مؤخراً بشأن الإجراءات المتعلقة بالأموال والأرصدة التابعة للمجلس الانتقالي المنحل. فهذه الخطوة، تمثل مؤشراً على انتقال ملف الجبايات من دائرة الجدل السياسي والإعلامي إلى دائرة المساءلة القانونية. كما أنها تعكس اتجاهاً نحو فحص مصادر الأموال التي جرى تحصيلها خلال السنوات الماضية، والتحقق من مدى قانونية إجراءات التحصيل وأوجه الإنفاق. وبغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة، فإن أي مراجعة شفافة لهذا الملف تمثل انتصاراً لمبدأ الرقابة على المال العام، وتلبي حق المواطنين في معرفة مصير الموارد التي جرى جمعها باسم الخدمات والأمن والإدارة العامة.
اليوم، ومع الحديث عن استعادة مؤسسات الدولة لدورها وتوحيد الموارد العامة، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح هذا الملف بشفافية كاملة، ليس بدافع الانتقام السياسي أو تصفية الحسابات، وإنما من أجل معرفة الحقيقة وحماية المال العام. فالمواطن الذي تحمل سنوات من المعاناة له الحق في أن يعرف حجم الإيرادات التي جرى تحصيلها، والجهات التي استلمتها، وكيف أُنفقت، وما الذي تحقق منها على أرض الواقع.
إن بناء الثقة بين المواطن والدولة يبدأ من وضوح إدارة المال العام. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أو وطني أن ينجح في ظل استمرار الغموض حول الإيرادات والموارد العامة. فالتنمية لا تُقاس بالشعارات، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية من كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وطرق صالحة، وخدمات تليق بمدينة هي اليوم عاصمة مؤقتة لليمن.
وبعد عشر سنوات من الجبايات والوعود، ما زال السؤال قائماً: هل كانت المشكلة في نقص الموارد، أم في طريقة إدارتها؟ والإجابة على هذا السؤال هي المفتاح لفهم ما جرى في عدن، وما يجب ألا يتكرر في المستقبل.







