سعيد النخعي
رحل هادي… بعد عمرٍ امتد لأكثر من سبعة عقود، تنقّل خلالها بين مواقع الدولة ومنازل المسؤولية، حتى بدا وكأن القدر اختاره، منذ بواكير حياته، ليكون شاهدًا على التحولات الكبرى في اليمن، وشريكًا في كثيرٍ من منعطفاتها العاصفة.
لم يكن رجلًا عابرًا في تاريخ السلطة، ولا ابن مرحلةٍ مؤقتة؛ بل رجلٌ عبر جمهورياتٍ وأنظمةً وتحولات، وخَبِر وجوه الحكم المتناقضة، من دون أن تنجح واحدةٌ منها في انتزاع بساطته أو إنسانيته أو استقلاله الداخلي، أو إذابته في يقينها الأيديولوجي. عاش قريبًا من مراكز القرار بما يكفي ليعرف عتمتها، وبقي بعيدًا عن موبقات أوزارها، ورِجس مظالمها.
وفي بلدٍ كان الصعود فيه إلى سلّم السلطة لا يتحقق إلا بثمنٍ فادح من الكرامة والضمير، نجح الرجل في الخروج من دهاليز السياسة بأقل ما يمكن من الأوزار؛ فلم يكن جلادًا في زمن الجلادين، ولا بوقًا للهتاف حين كانت الأصوات تُشترى بالخوف أو الطمع. وتلك خصلةٌ نادرة في تاريخ الأنظمة القلقة؛ إذ قلّ أن ينجو من خدمها من غواية التورط في أخطائها، أو الارتهان لخصوماتها وثاراتها.
ظل هادي، على امتداد رحلته الطويلة، محتفظًا بطبيعته الأولى: رجلٌ هادئ، بسيط، قليل الادعاء، لا يعرف القسوة إلا بقدر ما تقتضيه الدولة، ولا يحمل في قلبه فائضًا من الأحقاد. رغم كثرة الخصوم، وتبدّل الوجوه والمراحل، إلا إنه لم يجعل من السلطة وسيلةً لتصفية حساباته مع خصم أو نظام أو مرحلة .
قاد حرب صيف 1994 منتصرًا على الفصيل الذي أخرجه يومًا من منزله، غير أنّه، حين امتلك لحظة الغلبة، لم يُسخّرها للانتقام، ولم يرفعها رايةً للشماتة. فانتصر للدولة أكثر مما انتصر لنفسه، ووسّع صدره لخصومه، قبل أن تتسع لهم مجالسه، فلم يتبع سُنّة من قبله، الذين كانوا لا يوسّعون إلا المقابر لخصومهم، ولا يفتحون سوى السجون لمعارضيهم.
جاءت إليه السلطة في أكثر لحظات اليمن اضطرابًا، حين كانت أقدم وأعتى أنظمة المنطقة تتداعى تحت وطأة الانقسامات والعواصف، وكانت اليمن أشدّها إنهاكًا، وأثقلها بحمولات الثأر السياسي والمناطقي. بلدٌ لم تنقطع فيه دورة الانتقام منذ سقوط الإمامة، ولم تخمد فيه نوازع الغلبة بين الشمال والجنوب، ولا ثارات الصراعات المناطقية بين القوى التي لم تتعلم من التاريخ سوى إعادة إنتاج مآسيه.
ومن بين أكوام الركام، حاول هادي أن يقف على مسافةٍ واحدة من الجميع؛ لا بوصفه رجل تسوياتٍ عابرة، بل بوصفه رجل دولةٍ أدرك أن البلاد التي أرهقتها المركزية لا يمكن أن تستعيد عافيتها بالأدوات ذاتها التي دفعتها إلى قعر الهاوية.
ومن هنا جاءت قناعته بمشروع الأقاليم؛ لا كمناورةٍ سياسية، ولا كورقةٍ لتحسين شروط التفاوض، ولا لإطالة أمد السلطة، بل كإيمانٍ حقيقي بأن اليمن لا يمكن أن يستقر إلا إذا امتلك أبناؤه، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، حق إدارة شؤونهم بعيدًا عن هيمنة المراكز المقدسة التي احتكرت السلطة والثروة، وأبقت اليمن رهينةً لصراعاتها القديمة.
آمن الرجل بذلك المشروع حتى النهاية، ودافع عنه وحيدًا حين تراجع الجميع. فحاربه خصومه علنًا، وخذله كثيرٌ من حلفائه سرًا، أما هو فظل ثابتًا، لا يساوم على قناعته، ولا يبدّل موقفه تحت وطأة العزلة أو الخذلان، حتى انتهى به الأمر وحيدًا في منزله، يواجه مصيره بصمتٍ يليق بالرجال الذين اعتادوا حمل أعبائهم دون ضجيج.
لم يكن هادي خطيبًا مفوّهًا، ولا بطلًا مسرحيًا يجيد صناعة المشاهد الصاخبة. كان رجلًا عادي الملامح، هادئ اللغة، يتحدث بعفوية القادمين من الريف البعيد عن التكلّف، لكن بساطته الظاهرة كانت تخفي عنادًا صلبًا في القضايا التي آمن بها، وقناةً لا تلين.
وحين تكالبت المشاريع الصغيرة على اليمن، وتنازعت الأطماع الإقليمية جسدها المنهك، وقف الرجل، بما يملك من إيمانٍ بالدولة، سدرةً أخيرة في وجه التمزيق، رافضًا أن يمنح خصوم الداخل أو الخارج شبرًا من الأرض، أو تنازلًا يمسّ جوهر السيادة الوطنية.
رحل هادي كما عاش؛ بسيطًا بلا ضجيج، صلبًا بلا استعراض. فلم يكن من عشاق الشعارات الصاخبة، ولا من صُنّاع البطولات الزائفة، بقدر إيمانه بأن قيمة الرجال في ثبات مواقفهم، لا فيما تلوكه أفواههم. عاش زاهدًا في الأضواء، مترفعًا عن صغائر السلطة ومغرياتها، وحين أحاطت به العواصف، وبقي وحيدًا في مواجهة الخذلان والحصار، لم يساوم، ولم ينكسر، ولم يبع قناعته لينجو بنفسه. فظل واقفًا بهدوءٍ يشبه يقين البسطاء، وصلابةٍ لا يملكها إلا الذين تربّوا على معنى الدولة، لا على شهوة الحكم. لذا، لم يترك وراءه ضجيجًا يملأ الأسماع، بل سيرة رجلٍ بقي أكبر من خصومات السياسة، ولم يتدنّس بأوحالها، أقرب إلى صورة اليمني الزاهد البسيط الذي يحمل وطنه في قلبه أكثر مما يحمل نفسه.







