هام

    لماذا يمر طريق تحرير صنعاء من عدن؟!

    لماذا يمر طريق تحرير صنعاء من عدن؟!

    لماذا يمر طريق تحرير صنعاء من عدن؟!

    في أبجديات الحروب وموازين الصراعات الاستراتيجية، لا يمكن لجيش أن يتقدم نحو معاقل العدو إذا كانت عاصمته البديلة وقاعدة انطلاقه مكبلة بالفوضى، وممزقة من الداخل، ومسروقة القرار. من هنا، تبرز الحقيقة الجيوسياسية والعسكرية الأهم في الحالة اليمنية، إن طريق تحرير صنعاء من قبضة الميليشيات الحوثية لا يبدأ من خطوط التماس المباشرة فحسب، بل يمر حتماً عبر استعادة العاصمة المؤقتة عدن، وتقوية حضور الشرعية اليمنية فيها سياسياً، وعسكرياً، وأمنياً، وإدارياً.

    لقد شكلت عدن بعد تحريرها أمل اليمنيين في بناء نموذج جاذب للدولة الوطنية، ونقطة ارتكاز للانقضاض على الانقلاب الحوثي. إلا أن ما حدث على أرض الواقع كان انتكاسة استراتيجية قادتها أبوظبي بشكل مباشر. لقد لعبت دولة الإمارات، عبر أداتها المحلية المتمثلة في المجلس الانتقالي"المنحل" دوراً صريحاً في تفخيخ مسار استعادة الدولة.

    تم العمل بشكل ممنهج على إضعاف السلطة الشرعية وتجريدها من أدواتها الفاعلة، عبر تفريخ كيانات عسكرية وأمنية موازية بتمويل وإشراف إماراتي كامل، لتظل خارج سيطرة وزارتي الدفاع والداخلية. هذا التجريف الممنهج لمؤسسات الدولة مثل "تخادماً موضوعياً" وواضحاً مع ميليشيا الحوثي؛ فبينما كانت الشرعية تُستنزف في معارك جانبية فرضتها أجندة الإمارات للبقاء في عدن، كانت الرؤية تُحجب تماماً عن المعركة الرئيسية باتجاه صنعاء، مما منح الحوثيين الوقت والراحة لترتيب صفوفهم وتمتين مشروعهم.

    لم يقتصر استهداف الشرعية على المؤسسات، بل امتد ليطال الرصيد البشري والوطني الذي صنع ملحمة تحرير عدن. لقد شهدت المدينة عملية تجريف مرعبة لحضور أبطال المقاومة الحقيقيين والقيادات الوطنية الميدانية.

    وبدلاً من تكريم هؤلاء ودمجهم في مؤسسات الدولة لقيادة معركة التحرير الشاملة، تم توزيعهم بقسوة بين المنافي القسرية، أو تغييبهم في غياهب السجون السرية التي أنشأتها وأدارتها القوات الإماراتية والتشكيلات التابعة لها، أو تصفيتهم عبر مسلسل اغتيالات دموي استهدف الكوادر العسكرية والسياسية والدينية المعتدلة. لقد كان الهدف الإماراتي واضحاً، إفراغ عدن من أي كتلة صلبة تحمل مشروعاً وطنياً يتجاوز المشاريع المناطقية والتبعية للخارج.

    إن من أخطر مسارات إضعاف معركة استعادة الدولة، كان العبث بالوعي المجتمعي في المحافظات الجنوبية والشرقية عبر الماكينة الإعلامية والسياسية الممولة من أبوظبي. فبدلاً من حشد طاقات المجتمع وتعبئته ضد العدو الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية، تم شحن الشارع المحلي بخطاب كراهية مناطقي موجه ضد المناطق الشمالية المحررة، (تعز ومأرب) ، اللتين تمثلان الخندق الأول للدفاع عن الجمهورية. هذا الشحن الخاطئ والمفتعل خلق شرخاً في الجبهة الوطنية المناهضة للانقلاب، وجعل بوصلة العداء تتجه نحو الحلفاء في خندق الشرعية، في خدمة مجانية لا تقدر بثمن للمشروع الإيراني في اليمن.

    ولإبقاء عدن في حالة شلل دائم يسهل السيطرة عليها، تم إغراق المدينة وما حولها في أتون فوضى أمنية وتردٍ كارثي في الخدمات الأساسية. تحولت العاصمة المؤقتة إلى بيئة طاردة للاستقرار، وتم خنق الحريات العامة والتضييق الممنهج على الإعلام الوطني الذي يحاول كشف الحقائق.

    ولعل المفارقة الأكثر مرارة، والتي تكشف حجم التخادم، هي تحويل منافذ عدن السيادية — الخاضعة لسيطرة التشكيلات التابعة للإمارات — إلى شرايين حياة للميليشيات الحوثية. لم يعد الأمر مجرد اتهامات سياسية، بل حقائق دامغة أكدتها اعترافات رسمية وتصريحات علنية، كتلك التي أدلى بها القيادي في المجلس الانتقالي أحمد بن بريك، والتي أقرت باستخدام ميناء عدن لتهريب الطائرات المسيرة والمعدات للحوثيين. هذا الاقتصاد الموازي والتهريب المنظم يثبت أن تقويض الشرعية في عدن تحول إلى استثمار يغذي آلة الحرب الحوثية برعاية أطراف تدعي محاربتها.

    إن الحديث عن تحرير صنعاء وإسقاط الانقلاب سيظل ضرباً من الوهم ما لم تستعد الشرعية اليمنية كامل عافيتها وسيادتها في عدن، متحررة من الارتهان للأجندات الإماراتية بدعم سعودي مسؤول . فالمعركة تبدأ من توحيد البندقية تحت مظلة مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة التمرد والكيانات الموازية المدعومة إماراتياً، ورد الاعتبار للمقاومة الوطنية وإطلاق الحريات. طريق تحرير صنعاء يمر من عدن، وكل يوم يتم فيه إعاقة الشرعية عن أداء دورها الكامل في العاصمة المؤقتة، هو يوم إضافي في عُمر الانقلاب الحوثي.

    قد يعجبك أيضاً!