يعد الخطاب السياسي من أهم أدوات إنتاج السلطة وإعادة تشكيل الرأي العام، وفي السياقات الانتقالية أو حالات الصراع يكتسب الخطاب وظيفة سياسية، تتجاوز الإخبار المجرد إلى إعادة تعريف الشرعية وترتيب الأولويات وتحديد الفاعلين الشرعيين وهندسة التوازنات الداخلية والخارجية، ولهذا فإنَّ دراسة الخطاب تُمكِّن المتابع من الكشف عن البنية العميقة للتصورات التي تحكم الفعل السياسي، وكيفية توظيف المفاهيم الكبرى من أجل بناء واقع جديد برؤية سياسية جديدة.
تركز هذه الورقة على خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في الفترة ما بين 30 ديسمبر 2025 إلى 17 فبراير 2026، وهي الفترة التي شهدت فيها اليمن تحولات سياسية وأمنية كبيرة، تمثلت في تصعيد غير مسبوق في المحافظات الشرقية من قبل قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، وما تلاه من إجراءات سيادية سياسية وعسكرية أعادت ترتيب الفعل العسكري على الأرض من جهة، وترتيب العلاقة بين السلطة الشرعية وشركائها الإقليميين من جهة أخرى، وفي خضم هذه التطورات، برز رئيس مجلس القيادة كشخصية استثنائية في إدارة هذه اللحظة، من خلال خطاباته الرئيسية التي سعى من خلالها إلى إعادة تعريف أولويات المرحلة وإعادة بناء علاقة الدولة اليمنية بالفاعلين الإقليميين والدوليين.
لهذا، تسعى هذه الورقة إلى تحليل مضامين خمسة خطابات رئيسية لرئيس مجلس القيادة، وذلك من خلال استخدام منهج “تحليل المضمون”، لاستجلاء التحول في بنية هذا الخطاب ودلالاته السياسية والاستراتيجية، والكشف عن أولويات المرحلة، وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الخطابات موضوع التحليل تجاوزت الاستجابة الظرفية للتطورات الميدانية، إلى السعي لإعادة تأسيس مركزية الدولة، ومحاولة نقل الصراع مع الحوثي من إطاره المحلي إلى فضاء أمني إقليمي ودولي أوسع، ولا تنحصر أهمية الدراسة في توصيف مضمون الخطاب، بل تمتد إلى قراءة ما وراء اللغة السياسية، واستكشاف كيفية توظيفها في إعادة تشكيل المجال السياسي اليمني في هذه المرحلة.
*صادر عن مركز المخا للدراسات




